للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فلا يكون مُزعِجًا للقلوب إلى إرادةِ الله تعالى وحدَه لا شريكَ له، بل يُزعِجها إلى الباطل تارةً، وإلى (١) الحق أخرى، ولو كان يُزعِجُ إلى الحقِّ الذي يحبُّه الله ويرضاه خالصًا أو راجحًا لكان من الجنس المشروع المأمور به، ولكان الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم يشرعُهُ بقولِه أو فعلِه، ولكان من سنَّة خلفائِه الراشدين، ولكان المؤمنون في القرون الثلاثة يفعلونه ولا يتركونه، فإنه لو كان خيرًا لسبقونا إليه وكانوا أحقَّ به وأهلَه، فإنهم لا يُظَنُّ بهم أنهم يتركونَ ما يُحِبُّه الله ورسولُه وما يحرِّكُ القلوبَ إلى الله ويُزعِجها إليه.

وهذا الكلام كلُّه في قصده والاجتماع عليه، وطلبِ التقرُّب به، وعَدِّه من أفضل القُرَب، ومما تصلُحُ عليه القلوبُ. وأما من لم يقصده ولا هو من مطالبه، فاتفق أنه صادف شيئًا منه، فصادفه سماعُ ما يُناسِبُ حالَه بمنزلة سماع الفألِ لمن خرج في حاجةٍ= فهذا قد لا يستضِرُّ به، وقد ينتفع بما سمعه ويتأثر.

كما حكى لي بعضٌ أنه سمع مغنِّيًا يغنِّي:

تَعَلَّقَ قَلبِي حُبَّكُم زَمنَ الصِّبَا ... فوالله لا عَن حُبِّكُم أتَحوَّلُ (٢)

قال: فأثَّرَ فيَّ هذا البيتُ، وجعلتُ أردِّدُهُ، وحصل لي به إقبالٌ بعد إعراضٍ. أو كما قال.


(١) ع: "إلى" بدون الواو. وفي "الاستقامة" (١/ ٣٩٤): "وإلى الحق والباطل تارة".
(٢) لم أجد البيت فيما رجعت إليه من مصادر.