للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

واعتبرْ ذلك بمسألة السماع التي وقع فيها النزاع، فإنَّ الله سبحانه شرع للأمة من السماع ما أغناهم به عما لم يَشرعْه، حيث أكملَ لهم دينَهم وأتمَّ عليهم نعمتَه ورضيَ لهم الإسلام دينًا، وهو سماع القرآن الذي شرعه لهم في الصلاة وخارجها مجتمعين ومنفردين، حتى كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اجتمعوا أمروا واحدًا يقرأ والباقون يستمعون، وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى: "يا أبا موسى ذكِّرنا ربَّنا" (١).

فلما انقرضت القرون الفاضلة حصلَتْ فترةٌ في هذا السماع المشروع الذي به صلاح القلوب وسعادة الدارين، وصار أهل الفتور فيه أحدَ رجلين:

رجل أعرض عن السماع المشروع وغير المشروع، فأورثه ذلك قسوةً، وفواتَ حظِّه من حقائق الإيمان وأذواقه ومواجيده.

ورجل أقبل على سماع الأبيات والقصائد، و جعل شربه وذوقه منها.

والرجلان منحرفان، وخير منهما وأصحُّ سماعًا من جعل سماعه وذوقه ووَجْدَه من الآيات.

وأقام الله سبحانه من أنكر على أهل السماع المحدَث المبتدَع، وكان في المنكِرين المقتصدُ والجافي والغالي، وصار على تمادي الأيام


(١) سبق تخريجه (ص ١٠٢).