للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[رجوع الجيش إلى المدينة]

وكان أسامة بن زيد قد رأى النبيّ صباح ذلك اليوم حين خرج إلى المسجد وظن كما ظن المسلمون جميعا أنه تعافى، فذهب ومن كان قد عاد إلى المدينة من الجيش المسافر إلى الشام ولحق بالمعسكر بالجرف، وأمر الجيش بالتجهز للمسير. وإنه لكذلك إذ لحق به الناعي نذيرا بوفاة النبي، فعاد أدراجه وأمر الجيش فرجع كله إلى المدينة؛ ثم ذهب هو فركز علمه عند باب عائشة، وانتظر ما سيكون من أمر المسلمين من بعد.

وفي الحقّ أنّ المسلمين كانوا من أمرهم في حيرة. فهم لم يلبثوا حين سمعوا أبا بكر وحين أيقنوا أن محمدا قد مات، أن تفرّقوا، فإنحاز حيّ من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، واعتزل عليّ بن أبي طالب والزّبير بن العوّام وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة، وانحاز المهاجرون ومعهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل إلى أبي بكر. وإن أبا بكر وعمر لكذلك إذ أتى آت ينبئهما بنبأ الأنصار الذين انحازوا إلى سعد بن عبادة، ثم يردف النبأ بقوله: فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا الناس قبل أن يتفاقم أمرهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلّم في بيته لم يفرغ من أمره قد أغلق دونه الباب أهله. قال عمر موجها حديثه إلى أبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار حتى ننظر ما هم عليه. وإنهم لفي طريقهم إذ لقيهم من الأنصار رجلان صالحان، فذكرا للمهاجرين ما تمالأ عليه القوم وسألاهم: أين يريدون؟ فلمّا علما أنهم يريدون الأنصار قالا؛ لا عليكم ألّا تقرّبوهم؛ يا معشر المهاجرين اقضوا أمركم. قال عمر: والله لنأتينّهم. وانطلقوا حتى نزلوا بهم في سقيفة بني ساعدة فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمّل. قال عمر بن الخطاب: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة، به وجع. فلما جلس المهاجرون قام خطيب الأنصار فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أمّا بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا وقد دفّت دافّة من قومكم وإذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا ويغصبونا الأمر.

[مقالة أبي بكر للأنصار]

وكانت هذه روح الأنصار أثناء حياة النبيّ. لذلك لم يكد عمر يسمع هذا الكلام حتى أراد أن يدفعه:

فأمسك به أبو بكر مخافة شدّته وقال: على رسلك يا عمر! ثم قال موجها كلامه للأنصار: «أيها الناس! نحن المهاجرين أوّل الناس إسلاما، وأكرمهم أحسابا، وأوسطهم دارا، وأحسنهم وجوها، وأكثرهم ولادة في العرب، وأمسهم رحما برسول الله: أسلمنا قبلكم، وقدّمنا في القرآن عليكم، فقال تبارك وتعالى:

(وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ) «١» .

فنحن المهاجرون وأنتم الأنصار؛ إخواننا في الدين وشركاؤنا في الفيء، وأنصارنا على العدوّ. وأما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، وأنتم أجدر بالثناء من أهل الأرض جميعا. فأما العرب فلن تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحيّ من قريش. فمنّا الأمراء ومنكم الوزراء» . هناك استشاط أحد الأنصار غضبا وقام فقال:

«أنا جذيلها «٢» المحكّك، وعذيقها المرجّب. منّا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش» . قال أبو بكر: بل منا الأمراء ومنكم الوزراء، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم؛ وأخذ بيد عمر بن


(١) سورة التوبة آية ١٠٠.
(٢) الجذيل: تصغير الجذل وهو أصل الشجرة. والمحكك: الذي تتحكك به الإبل الجربى. والعذيق: تصغير العذق (بفتح العين) وهو النخلة. والمرجب: الذي جعل له رجبة وهي دعامة تبنى حوله من الحجارة، وذلك إذا كانت النخلة كريمة وطالت تخوفوا عليها أن تنقعر من الرياح العواصف. يريد أنه قد جربته الأمور وله رأي وعلم يشتفي بهما، كما تشتفي الإبل الجربى باحتكاكها بالجذل.

<<  <   >  >>