للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فهذان جوابانِ عن مثلِ هذه الآيَةِ، ولا يقالُ: إن اللَّهَ لا يعْلمُ الشيء إلَّا بعدَ وقوعِهِ، كما قال ذلك غُلاةُ القَدَرَّيةِ، فإن غلاةَ القَدَرِيَّةِ يقولون: إن اللَّهَ لا يَعْلَمُ بالشيءِ إِلَّا بعدَ وُقوعِهِ، ويستدلون بهذا المتُشَابِهِ مِنَ القرآنِ، ولكننا نقول: هؤلاء في قُلوبِهم زَيغٌ؛ لأنهم اتَّبَعُوا ما تَشَابه منه، ولو رَجَعُوا إلى قول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج: ٧٠]، لتَبيَّن لهم أن اللَّهَ عالمٌ بما سيكون قَبلَ أن يكونَ.

قوله: {وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} يعني في قولهم: إنهم مُؤمنونَ، فاللَّه تعالى إذا فَتَن الخلْقَ عَلِم من كان صادِقًا في قولِه ومَن كان كَاذِبًا، وفي هذا تحذيرُ المرءِ عندَ وُقوعِ الفِتنَ أن يرْتدَّ عن إيمانِهِ فيكونُ بذلك كاذبًا.

قولُهُ: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ} وقوله: {وَلَيَعْلَمَنَّ} اللام للتَّوكيدِ، وهي أيضًا مُوطِّئةٌ للقَسمِ، فتكونُ الجملةُ مُؤكَّدَةً بثلاثَة مؤكِّدَاتٍ.

وقوله: {فَلَيَعْلَمَنَّ} بفَتْحِ آخرِهِ مع أنه لا يوجَدُ ناصِبٌ؛ لأنه مبْنِيٌّ على الفتحِ في محلِّ رَفعٍ وليس مَنصوبًا.

[من فوائد الآيات الكريمة]

الفَائِدةُ الأُولَى: الحِكْمةُ في ابتداءِ السور بالحروفِ الهِجائِيَّةِ، وقد تَقدَّم الحكمُ فيه هذا.

الفَائِدةُ الثَّانِية: أن اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يخْتَبِرُ المؤمنين ليعَلَم بذلك صِدقَ إيمانِهمْ من عَدَمهِ.

الفَائِدةُ الثَّالِثة: أن هذا الاخْتبارَ ليس خاصًّا بهذه الأُمَّةِ، بل لهذا الأُمَّةِ ولغيرها مِنَ الأمم، لقوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}.

<<  <   >  >>