للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فإذا قال قائل: هذا القولُ يستلْزِمُ إبطالَ القولِ بوجودِ قِسْمِ المباحِ في باب التَّكْلِيفِ كما يُذْكَرُ ذلك عن الكَعْبِيِّ المعتزلي (١)، قال: لا يُوجَدُ قِسْمٌ مباحٌ في الشريعة، قال: لأن لازِمَ هذا الشيءِ المباحِ الذي تشتَغِلُ به أن يكون كافًّا لك عن المحَرَّمِ فيكونُ واجبًا، فالأشياء إما واجِبَةٌ وإما مُحَرَّمَةٌ، وردَّ عليه أهلُ العلمِ بأدِّلَةِ العَقْلِ والنَّقْلِ، وقالوا: إن المباحَ إذا تضَمَّنَ تركَ واجبٍ صارَ محرَّمًا لتركِ الواجِبِ لا لكونه مباحًا، ولذا لو فَعَل مباحًا بدون أن يتَرَتَّبَ عليه تركُ واجب وفِعلُ محرَّمٍ لم يكن آثمًا.

[من فوائد الآية الكريمة]

الفَائِدةُ الأُولَى: إثباتُ أن خالقَ السمواتِ والأرضِ هو اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: {خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}.

لو قالَ قائلٌ: الآيات ليس فيها حَصْرٌ حتى تَقُولوا: إن الخالِقَ هو اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ؟

فالجواب: نعم، ليسَ في الآياتِ حَصْرٌ بالطُّرقِ المعْرُوفَةِ، لكن في الآيات حَصْرٌ من حيثُ إنه لا يُوجَدُ إلا سموات واحدة وأرضٌ واحِدَةٌ، وإذا كانَ الخالقُ لهما هُو اللَّه عَزَّ وَجَلَّ انتَفَى أن يكونَ غَيرُهُ خالِقًا لهُما.

الفَائِدةُ الثَّانِيةُ: الردُّ على أهلِ الطَّبيعَةِ الذين يقولون: إن السمواتِ والأرضَ ليس لها خالقٌ، بل هي أشياء تَتَفاعَلُ وتتحولُ وتتقَلَّبُ، وأن الخلقَ لا أَوَّل له ولا نِهايَةَ.

الفَائِدةُ الثَّالِثةُ: إثباتُ حُدوثِ السَّموات والأرضِ وأنها ليستْ قَدِيمَةً، لقوله: {خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} فهي مُوجَدَةٌ من العدمِ، وكُلُّ ما سِوَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ


(١) البحر المحيط في أصول الفقه (١/ ٢٤١)، (٤/ ١٨٦)، والتقرير والتحبير (٢/ ٣٠٧).

<<  <   >  >>