للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ولذلك يقولون: الحاكِمُ شاهدٌ ومُفْتٍ ومَلْزِم كالأمير، فهنا ضمَّن الشهادةَ معْنَى الحُكمِ، وإلا فإن الشاهِدَ لا يكون شاهِدًا بينَ فُلانٍ وفلان ولكن يكون شاهِدًا لفُلانٍ على فلان، لكنه ضَمَّنَ الشهادَةَ معنى الحُكْمِ، وهو كذلك فإن شهادةَ اللَّهِ لنَبِيِّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالحق حُكْمٌ له بالحق، ووَجْهُ كون ذلك شهادَةً وحُكْمًا: لأنَّ كونَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يُمَكِّنُ نبيَّهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- من قتالِ هؤلاءِ الكُفَّارِ، واستباحَةِ دمائهِمْ وأموالهم، وكونه يمَكِّنُ له في الأرض فيَفْتَحُ بلادَهُم، بل يفتحُ له الأرض أرْضًا أرْضًا؛ يدُلُّ على أن اللَّه حكمَ لنَبِيِّهِ على الكُفَّارِ، وهو أكبرُ دَليلٍ على شهادة اللَّه له بالصِّدْقِ، ولهذا قال في سورةِ الأنعام: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الأنعام: ١٩]، فهذا أكبرُ ما يكونُ من الشَّهادَةِ، وقد شَهِدَ اللَّه لنَبِيِّه بالفعل والتَّمْكِينِ بأنه على الحقِّ والإيمان وهم على الكُفْرِ والباطِلِ.

قوله: [{يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ومنْهُ حَالي وحَالُكُم]: الجملة حَالٌ مِنْ لفْظِ الجلالةِ، يعني: حالَ كونه يَعْلم، ويجوز أن تكونَ استِئْنَافِيَّةً لبيانِ صحَّةِ شهادَةِ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وحُكْمِهِ، فإنه يشْهَدُ على حقٍّ، فيعلم المُحِقَّ فيحُكْمُ له والمبْطَلَ فيحكُم عليه.

(مَا) اسم موصولٌ يُفيدُ العُمومَ، وهي تُسْتَعْمَلُ لغيرِ العاقِلِ، أما (مَنْ) فتُستَعْمَلُ للعقلاءِ، وهنا قالَ: {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ولم يَقُلْ: (مَنْ في السمواتِ والأرضِ) إمَّا تَغْلِيبًا للأكثر، وإما لملاحظَةِ الصِّفَاتِ مع الذَّواتِ، وهذا أَوْلَى؛ لأننا قد نُمَانِعُ بأن الأكثرَ غيرُ عاقِلٍ باعتبارِ السَّمواتِ والأرض، فإن السمواتِ ما فيها موضِعُ قَدَمٍ إلا ومَلَكٌ قائمٌ أو رَاكِع أو ساجِدٌ، والسمواتُ عَظِيمَةٌ وواسِعَةٌ، قالَ تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر: ٣١].

<<  <   >  >>