للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وقال آخر: لا تنهض عن وكرك فتنقصك الغربة وتضيمك الوحدة.

وشبّهت العرب والحكماء الغريب باليتيم اللطيم الذي ثكل أبويه فلا أم ترأم له ولا أب يحدب عليه.

وكان يقال: الجالي عن مسقط رأسه كالعير الناشز عن موضعه الذي هو لكل سبع فريسة ولكل كلب قنيصة ولكل رامٍ رمية.

وكان يقال: الغريب عن وطنه ومحل رضاعه كالغرس الذي زايل أرضه وفقد شربه فهو ذاوٍ لا يثمر وذابل لا ينضر، وأنشد:

ومغتربٍ بالمرج يبكي لشجوه ... وقد غاب عنه المسعدون على الحب

إذا ما أتاه الركب من نحو أرضه ... تنفس يستشفي برائحة الركب

ولآخر:

إذا ما ذكرت الثغر فاضت مدامعي ... وأضحى فؤادي نهبةً للهماهم

حنيناً إلى أرضٍ بها اخضرّ شاربي ... وحلّت بها عني عقود التمائم

وألطف قومٍ بالفتى أهل أرضه ... وأرعاهم للمرء حقَّ التقادم

ولآخر:

أحن إلى أرض الحجاز وحاجتي ... خيامٌ بنجدٍ دونها الطرف يقصر

وما نظري من نحو نجدٍ بنافعي ... أجل لا ولكني على ذاك أنظر

أفي كل يوم نظرةٌ ثم عبرةٌ ... لعينيك يجري ماؤها يتحدر

متى يستريح القلب؟ إما مجاورٌ ... حزينٌ وإما نازحٌ يتذكر

الطائي:

نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول

كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبداً لأول منزل

[مساوئ من كره الوطن]

قال بعض الفلاسفة: اطلبوا الرزق في البعد فإنكم إن لم تكسبوا مالاً غنمتم عقلاً كثيراً.

وقال آخر: لا يألف الوطن إلا ضيّق العطن.

وقيل لآخر: ما أصبرك على الغربة! فقال: انست بالنوائب حتى ما أعرف غيرها وغذيت بالمكاره فما أجد ضيرها.

ومدح أعرابي رجلاً فقال: خرّجته الغربة ودربته التجربة وضرسته النوائب.

وقال آخر: ما حنّ أحد إلى بلد لا جمع فيه شمله إلا لوصمةٍ في عقله ولا تنزع نفسه إلى بلد قلّ به رفده إلا لاستيلاء الموق عليه.

وقيل لآخر: ما العيش؟ فقال: دوران البلدان ولقاء الإخوان ومغازلة القيان واستماع الأغاني والنغمات من الزير والمثاني.

وقد قيل: من صبر على الغربة أمن من الكربة، وأفضل العدة الصبر على الشدة. وقالوا: لا توحشنّك الغربة إذا أنست بالكفاية، ولا تجزع لفراق الأهل مع لقاء اليسار.

وقيل الفقير في الأهل مصروم والغني في الغربة موصول.

وقيل: أوحش قومك ما كان في إيحاشهم انسك واهجر وطنك ما نبَت عنه نفسك.

وقريء على باب خان بطرسوس:

ما من غريبٍ وإن أبدى تجلده ... إلا تذكر عند الغربة الوطنا

الطائي:

لا يمنعنّك خفض العيش تطلبه ... نزاع شوقٍ إلى أهلٍ وأوطان

تلقى بكل بلادٍ إن حللت بها ... أهلاً بأهلٍ وجيراناً بجيران

ولآخر:

نبّت بك الدار فسر آمناً ... فللفتى حيث انتهى دار

وروي عن كعب بن مالك أنه وصف وحشة المدينة لغيبة النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: تنكرت البلاد فما هي بالبلاد التي نعرف، وتنكر الناس فما هم بالناس الذين نعرف. وفي معناه قال الشاعر:

فما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت أعرف

وأنشد:

لا تقنعنّ ومطلبٌ لك ممكنٌ ... فإذا تضايقت المطالب فاقنع

وقال آخر:

كم المقام وكم تعتادك العلل ... ما ضاقت الأرض في الدنيا ولا السبل

إن كنت تعلم أن الأرض واسعةٌ ... فيها لغيرك مرتادٌ ومرتحل

فارحل فإن بلاد الله ما خلقت ... إلا ليسلك منها السهل والجبل

الله قد عوّد الحسنى فما برحت ... عندي له نعمٌ تثري وتتصل

إن صاق بي بلد هيا له عوضاً ... وإن نأى منزلٌ بي كان لي بدل

وإن تغير لي عن وده رجلٌ ... أصفى المودة لي من بعده رجل

لم يقطع الله لي من صاحبٍ أملاً ... إلا تجدد لي من بعده أمل

لا تمتهن أبداً خدّيك من طمعٍ ... فما لوجهك نورٌ حين يبتذل

<<  <   >  >>