للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

عمر بن شبّة النميري أبو زيد قال: كان علي بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضوان الله عليهم أجمعين، من آل الأفطس وكان يلقب بالجزري، فتزوج رقية بنت عمرو العثمانية وكانت تحت المهدي، فبلغ ذلك الهادي فأرسل إليه فحمله وقال: أعياك النساء إلا امرأة أمير المؤمنين! فقال: ما حرم الله عز وجل على خلق إلا نساء جدي، صلى الله عليه وسلم، فأما غيرهن فلا ولا كرامة. فشجه بمخصرة كانت في يده وأمر بضربه خمس مائة سوط وأراد على أن يطلقها فلم يفعل، فحمل من بين يديه في نطع فألقي ناحية، وكان في يده خاتم سريّ فرآه بعض الخدم وقد غشي عليه فأهوى إلى الخاتم، فقبض على يد الخادم فدقّها، فصاح: الموت دقّ يدي! فسمعه الهادي فدعاه فرأى ما به فاستشاط فقال: تفعل هذا بخادمي مع استخفافك بي وقولك لي؟ قال: قل له وسله ومره أن يضع يده مرة على رأسك ليصدقنّ. ففعل ذلك موسى فصدقه الخادم. فقال: أحسن والله! أنا أشهد أنه ابن عمي، لو لم يفعل ذلك لانتفيت منه. وأمر بإطلاقه ووصله بمائة ألف درهم.

قيل: وخطب علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، فقال: تقول قريش جزع ابن أبي طالب من الموت، والله لعلي آنس بالموت من الطفل بثدي أمه. قيل: ولما كان في حرب صفين والناس في أشد ما يكون من الحرب قال علي: رضوان الله عليه: ألا ماء فأشتريه؟ فأتاه شاب من بني هاشم بشربة من عسل، فتناوله وقال: يا فتى عسلك هذا طائفيّ. قال: سبحان الله! في هذا الوقت تعرف الطائفي من غيره! فقال: إنه لم يملأ صدر ابن عمك شيء قط.

وحكي عنه، رضوان الله عليه، أنه قال: ما أبالي وقعت في الموت أو وقع الموت عليّ.

حدثنا الوضاحي عن معمر بن وهيب قال: قال عبد الملك بن مروان عند موته للوليد وهو يبكي عند رأسه: ما هذا البكاء وحنين النساء ثكلتك أمك! ألا تتأهب للخلافة بشدة سطوتك وقلة رحمتك لناقض بيعتك وتجريد سيفك للمبدي ذات طويته؟ فقال له قبيصة بن ذؤيب: ليس هذا أمر الله جل وعز. فقال: ما كنت لآمر بغيره. ثم قال:

بنو الحرب لا نعيا بشيءٍ نريده ... ولسنا على ما أحدث الدهر نجزع

جلادٌ على ريب الزمان فلن ترى ... على هالكٍ عيناً لنا الدهر تدمع

وأنشدنا غيره في مثله:

وإنا لقومٌ ما تفيض دموعنا ... على هالكٍ منا وإن قصم الظهرا

ولسنا كمن يبكي أخاه بعبرةٍ ... فيعصرها من جفن مقلته عصرا

ولكننا نشفي الفؤاد بغارةٍ ... تلهّب من قطري جوانبه جمرا

ولآخر في مثله:

سقياً ورعياً وإيماناً ومغفرةً ... للباكيات علينا يوم نرتحل

يبكي علينا ولا نبكي على أحدٍ ... لنحن أغلظ أكباداً من الإبل

ولآخر في نحوه:

إذا استلب الخوف الرجال قلوبها ... صبرنا على الموت النفوس الغواليا

حذار الأحاديث التي غبّ يومها ... عقدن بأعناق الرجال المخازيا

ولآخر في مثله:

مقتَّلون وقتّالون ميتتهم ... كما تُقتّل أسد الغاب في الأجم

والقتل عادتهم والقتل مكرمةٌ ... ولا يموتون من داءٍ ولا هرم

وبالوجوه جراحٌ ما تشينهم ... وما بهم طعنةٌ في ظهر منهزم

ولآخر في مثله:

سدِكت أنامله بقائم سيفه ... وبنشر فائدةٍ وذروة منبر

ما إن يزال إذا الرماح شجرنه ... متسربلاً سربال طيب العنصر

يلقى الرماح بصدره وبنحره ... ويقيم هامته مقام المغفر

أوما إلى الكوماء هذا طارقٌ ... نحرتني الأعداء إن لم تُنحر

وللمأمون:

نحن الذين إذا تخمّط عصبةٌ ... من معشرٍ كنا لها أنكالا

وترى القروم مخافةٌ لقرومنا ... قبل اللقاء تقطّر الأبوالا

نرد المنية لا نخاف ورودها ... تحت العجاجة والعيون تلالا

نعطي الجزيل فلا نمنّ عطاءنا ... قبل السؤال ونحمل الأثقالا

وإذا البلاد على العباد تزلزلت ... كنا لزلزلة البلاد جبالا

مساوئ الجبن

<<  <   >  >>