للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ويقطعُوني، وأُحسنُ إليهم وُيسيئون إليّ، وأحلُمُ عَنهُم ويجهلُونَ عليّ. فقال: "لَئِن كُنتَ كما قلتَ فكأنما تُسِفُّهُمُ المَلَّ، ولا يزالُ معكَ مِنَ الله ظهير عليهم ما دُمتَ على ذلك" (١).

قوله: (يجهلون عليّ) أي: يسيئون، والجهل هنا القبيح من القول.

قال الإمام النووي -رحمه الله-: "هو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم، ولا شيء على هذا المحسن، بل ينالهم الإثم العظيم في قطيعته، وإدخالهم الأذى عليه (٢).

وقيل: معناه أنك بالإحسان إليهم تخزيهم وتُحقِّرهم في أنفسهم، لكثرة إحسانك وقبيح فعلهم من الخزي والحقارة عند أنفسهم كم يسف المل.

وقيل: ذلك الذي يأكلونه من إحسانك كالملِّ يحرق أحشاءهم، والله أعلم.

قال أبو العتاهية:

فكأنما الإحسان كان له ... وأنا المسيء إليه في الحكم

ما زال يظلمني وأرحمه ... حتى بكيت له من الظلم

قلت: ولا ننسى في هذا المقام عفو أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - عندما حلف أن يقطع النفقة عن مِسْطَحُ بن أُثَاثَة، الذي أذاه في عرضه في حادثة الإفك، وكان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - معروفًا بالإحسان، له الفضل والأيادي الجميلة على الأقارب والأجانب، وعندما ولَغَ مسطح في عرضه، لم يمنعه ذلك من


(١) أخرجه مسلم (٢٥٥٨) في كتاب البر والصلة والآداب.
(٢) "شرح صحيح مسلم" (١٦/ ١١٥).

<<  <   >  >>