للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

لتلك الآية البالغة، حتى إذا قيل: بُني هذا المسجد على فتيةٍ كان مِن أمرِهم كيتَ وكيتَ= كان ذلك مما يُثبّت القلوبَ على الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، كما يدلّ عليه السياق، ومع ذلك فمثل هذا ممنوع في شرعنا لإطلاق الأدلة حُرْمة بناء المساجد على القبور، ومنها قبور الأنبياء والصالحين وغيرهم بأي قصدٍ كان، مع ما مرَّ أنّ مقصود الشارع سّد الذريعة.

[ص ١٣] الثالث: ذكر ابن حجر في «الزواجر» (١) أنه وقع في كلام بعض الشافعية عدّ اتخاذ القبور مساجد والصلاة إليها واستلامها والطواف بها ونحو ذلك من الكبائر. وكأنَّه أخذ ذلك مما ذُكِر في الأحاديث. ووجه اتخاذ القبر مسجدًا واضح؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لَعَن من فَعَل ذلك بقبور الأنبياء عليهم السلام، وجَعَل مَن فَعل ذلك بقبور الصالحين شرارَ الخَلْق عند الله تعالى يوم القيامة، ففيه تحذيرٌ لنا.

واتخاذُ القبرِ مسجدًا معناه: الصلاة عليه أو إليه، وحيئنذٍ يكون قوله: «والصلاة إليها» مكرَّرًا، إلّا أن يُراد باتخاذها مساجد الصلاة عليها فقط.

نعم، إنما يتَّجه هذا الأخذ إن كان القبرُ قبر معظَّم مِن نبيّ أو وليّ، كما أشارت إليه روايةُ: «إذا مات فيهم الرجل الصالح» (٢) ومِن ثَمَّ قال أصحابنا: تحرم الصلاةُ إلى قبور الأنبياء والأولياء تبرّكًا وإعظامًا. فاشترطوا شيئين: أن يكون قبر مُعَظّم. وأن يقصد الصلاة إليها. ومثلُ الصلاة عليه التبرُّك والإعظام.

وكون هذا الفعل كبيرةً ظاهرٌ من الأحاديث، وكأنَّه قاس عليه كلَّ تعظيمٍ


(١) (١/ ١٧٣). والمؤلف صادر عن «روح المعاني»: (١٥/ ٢٣٧) للآلوسي.
(٢) جزء من حديث عائشة سبق تخريجه (ص ١٨٦). ووقع في الأصل: «إن كان»!.