للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الدعاء مخ العبادة» (١).

ولا شك أن مَن طلب من المخلوق ما لا يقدر عليه البَشَر عادةً، فقد عمل معه ما لا يُعْمَل إلا مع الله، أي: دعاه وعَبَدَه. وعبادة غير الله تعالى كفر بلا شكّ. ولا شكَّ أن مَن يعمل هذا مع المخلوقين معتقد استحقاقَهم لمثله. وبذلك الفعل والاعتقاد يَنْقض شهادته بوجهيها، فإن من شهد أن لا إله إلا الله فقد أخبر أنه يعتقد أن لا معبود بحقّ في الوجود إلا الله، والتَزَم أنه لا يعبد إلا الله. فمتى أخلّ بأحدِ الأمرين كفر، فكيف بمن أخلّ بهما معًا؟ والله أعلم.

قال المجيزون: فهمنا هذا وبقي أن كثيرًا من المانعين يرموننا بكفر أهل الجاهلية وأشدّ منه، فما وجه ذلك؟

قال المانعون: وجهه أنكم تعتقدون في غير الله تعالى أنه يضر وينفع، وهذا هو الذي كانوا يعتقدونه في أصنامهم، وكانوا عند الشدائد يوحّدون الله تعالى، كما دلّ عليه القرآن في عدة مواضع: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ} [الأنعام: ٦٣ - ٦٤]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة أن القومَ كانوا يوحّدون الله تعالى عند الشدائد، وأنتم بخلاف ذلك، بل كلما اشتدت عليكم الشدائد ازددتم غفلةً عن الله تعالى وذكرًا (٢) للذين تدعون من دونه!


(١) سبق تخريجه (ص ٤٠٨).
(٢) الأصل: «وذكر» سهو.