للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أشدُ المانعين حظراً له في حال الاختيار» (١).

وأقول: شتان بين تعدد الجمعة في البلد الواحد، وبين تعدد الخلفاء في البلاد المختلفة فلا يصح قياسها به، وعلى كل حال فقول رشيد رضا في جواز التعدد إنما هو في حال الضرورة فقط (٢).

ثم إذا أمكن في بدايات الخلافة الإسلامية وحتى عصور طويلة بعدها أن تُثبِتَ فكرة وحدة الخلافة جدارتها وصوابها، رغم بعد المسافات وضعف وسائل الاتصال والمواصلات، فتحقيقها اليوم أسهل وأولى وأجدر، فلم يبق للمستدلين بالبعد أي حجة اليوم.

وأقوى دليل على هذا الرأي هو الضرورة. فيكون هذا الحكم استثنائياً، يزول بزوال الضرورة، ويبقى جواز التعدد للضرورة مقترناً بحالة العجز عن الوحدة، مقدَّراً بقدرها، وعلى أن تبذل الجهود لإزالة أسباب الضرورة وليس الاستكانة لها، ففي المثال السابق يجب بناء مسجد جامع يتسع لكل الناس يوم الجمعة في كل بلد، وهذا ممكن الحصول وهو هدف ديني سياسي اجتماعي هام، وهذا خير من بناء الملاعب الضخمة لأهداف بسيطة، أو بناء المسارح الكبيرة وبذل الأموال عليها لأهداف أقل أهمية من هذا الهدف، وكذلك الأمر بالنسبة إلى السعي نحو الوحدة.

وينبغي ملاحظة أن السبب الأبرز الذي استند إليه من أجاز التعدد للضرورة هو تباعد الأراضي وما فيه من مشقة في حكمها على البعد، وهذا العذر قد زال تماماً في العصر الحاضر الذي اتصلت فيه المعمورة من أقصاها إلى أقصاها بوسائل الاتصال والمواصلات السريعة المختلفة، حتى أن الناس أصبحوا يعيشون بما يشبه قرية صغيرة فلم يعد البعد عذراً للتعدد، ثم إن البعد معيار غير منضبط فما كان يسمى بعيداً في الماضي لم يعد كذلك اليوم.

ولكن لا زال الوضع العالمي العام مانعاً من قيام خلافة إسلامية، بل لعله ازداد شراسة وعنفاً، مع ملاحظة الضعف والتفرق الواقع في الأمة الإسلامية، مما يبقي التعدد جائزاً، ولكن لا بعذر البعد بل بعذر الوضع العالمي العام المانع من ذلك،


(١) الخلافة لمحمد رشيد رضا: ص ٥٨. وانظر في حكم تعدد الجمعة: نهاية المحتاج للرملي: ٢/ ٣٤٨ باب صلاة الجمعة، حكم استخلاف الإمام وشروطه. مطالب أولي النهى للرحيباني: ٣/ ٤٩.
(٢) الخلافة لمحمد رشيد رضا: ص ٥٩.

<<  <   >  >>