للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وأكثر الحنفية أنهم صاروا إلى مذاهب أئمتهم تقليدًا لهم، ثم قال: والصحيح الذي ذهب إليه المحققون ما ذهب إليه أصحابنا، وهو أنهم صاروا إلى مذهب الشافعي لا تقليدًا له، بل لمّا وجدوا طريقَه في الاجتهاد والقياس أسدَّ الطرق، ولم يكن لهم بدٌّ من الاجتهاد، سلكوا طريقَه، فطلبوا معرفةَ الأحكام بطريق الشافعي".

وذكر في تلك الرسالة نحو هذا عن القاضي عبد الوهاب المالكي (١)، نقل عنه كلامًا طويلًا في إبطال التقليد، وفي آخره (٢):

"فإن قيل: فهذا خلاف ما أنتم عليه من دعائكم إلى درسِ مذهب [مالك] بن أنس واعتقادِه، والتديُّنِ بصحته وفسادِ ما خالفه.

قلنا: هذا ظنٌّ منك بعيد، وإغفال شديد، لأنا لا ندعو من ندعوه إلى ذلك، إلّا إلى أمرٍ قد عرفنا صحته وعلمنا صوابه بالطريق الذي بيَّناه، فلم نخالفْ بدعائنا إليه ما قررناه وعقدنا البابَ عليه".

قلتُ: وكان تعليمهم مذهب مالك حينئذٍ ليس بذكر مجرد قوله، بل بسَرْد حُججِه من الكتاب والسنة وبيانِ ما لها وعليها. وهذا وجه اندفاع المناقضة. ثم إن قول الأستاذ أبي إسحاق في أصحابنا المتقدمين: "إنهم صاروا إلى مذهب الشافعي ... " إلخ، أي: في معظم الأحكام، فلا ينافي ذلك أنهم قد يخالفونه إذا ترجَّح لهم ما يخالفه. ويحتمل أن يبقى الكلام على إطلاقه، مع اعتبار مذهب الشافعي بما ثبت بالدليل، وإن نُقِل عنه ما


(١) (ص ١٢٣ - ١٢٦).
(٢) (ص ١٢٦).