للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أعمالٌ تدخل الجنة وتباعد عن النار

جاء عن معاذ رضي الله عنه -وهو حديث عظيم جميل طويل-: (أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، قال معاذ: فأصبحت يوماً قريباً منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار)، فهو لم يطلب شيئاً من الدنيا؛ لأن معاذ بن جبل عالم من العلماء رضي الله عنه وأرضاه, وهو سابق العلماء إلى طريق الجنة رضي الله عنه, سيسبقهم برمية حجر، فإذا دخل العلماء الجنة يكون معاذ في المقدمة رضي الله عنه, وكان عمره في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إحدى وعشرين سنة، وجميعُ العلماء الشيوخ ومن دونهم يأتون كلهم وراءه رضي الله عنه.

فقوله: (أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار)، أي: ما هو العمل الذي إذا عملته أدخلني الجنة, ونجاني من النار فقال صلى الله عليه وسلم: (لقد سألتني عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً)، أي: تأتي بكلمة التوحيد وتأتي بحقها, فتقول: لا إله إلا الله بلسانك, ويصدق ذلك قلبك وعملك، إذا قلت: لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله, فلا أتوجه بعبادة إلا إلى الله وحده لا شريك له, ولن أتوسل إلى أحد بعمل سوى الله تعالى, ولن يكون دعائي إلا إلى الله عز وجل, ولن تكون عبادتي متوجهة إلا إلى الله, ولن أرائي ولن أشرك بالله ولن أوجه عملي لغير الله سبحانه, فتعبد الله بشرعه وبدينه، متابعاً للنبي صلى الله عليه وسلم ومقتدياً به، وتعمل صالحاً وتخلص لله سبحانه.

ثمَّ خصص صلى الله عليه وسلم أشياء فقال: (وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت)، وهذه هي أركان الإسلام الخمسة، وكأنه قال: اعبد الله بما شرع وخاصة بأركان الإسلام.

ثم قال: (ألا أدلك على أبواب الخير -أي: بعد أن عرفت أركان الإسلام لا بد أن أدلك على أبواب الخير- قال: الصوم جنة -أي: وقاية- والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) فتصدق، فإذا كانت عليك خطيئة, وكأن الخطيئة توقد على صاحبها النار, وليست أي نار وإنما هي نار جهنم والعياذ بالله, فكأنه أطفأ هذه النار بماء الصدقة.

ثم قال: (وصلاة الرجل من جوف الليل، وتلا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة:١٦ - ١٧]) فلا تعلم نفوس الناس مهما حاولت أن تعرف قدر صلاة الليل وقدر هذا الثواب, فهو أعظم من أن تتخيله، وما يخفيه الله سبحانه أعظم.

ثم قال: (ألا أخبرك برأس الأمر كله -أي: أعظم شيء في هذا الدين- وعموده وذروة سنامه, قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام) , فكل عبد في هذه الدنيا أعظم ما يتمسك به هو الإسلام, فهو رأس الأمر, (وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله) فكأنه يقول: أعظم ما يكون أنْ تتمسك بالإسلام شريعة وعملاً, وأن تأخذ بأعظم ما فيه وهو الصلاة, والجهاد في سبيل الله عز وجل.

ثم قال: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله) أي: الذي يملك عليك هذا كله، فتستطيع أن تصلي صلاة صحيحة, وتجاهد جهاداً صحيحاً، وتفعل الخير بطريقة صحيحة، قال: (أمسك عليك هذا، قال: فأخذ بلسانه) كأن الإنسان إذا أراد أن يعمل طاعة ثم وقع في الإثم بسبب لسانه لا يستطيع أن يعمل تلك الطاعة, فلسان الإنسان قد يكون شؤماً على صاحبه؛ لأنه يتكلم في الحرام, ويتكلم في الزور والكذب، فكلما وقع في آفة من آفات اللسان فإن شؤمها يكون عليه, فيريد أنْ يقوم الليل فلا يستطيع, وبذلك يكون لسانه قد أخره عن أن يقوم لله عز وجل في الصلاة, ويريد أن يجاهد في سبيل الله ولسانه يؤخره عن ذلك بما جره عليه من ويلات وما جره عليه من معاصٍ.

إذاً: إذا أردت أن تصلي, وتجاهد جهاداً صحيحاً, وتصوم صياماً صحيحاً وأنْ يتقبل الله منك أعمالك فلا تفسد ذلك بآفات لسانك.

قال: (فقلت: يا نبي الله! إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ -يعني: أي شيء نقوله ربنا سيكتبه علينا؟ - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ثكلتك أمك يا معاذ) والأم الثكلى: هي الأم التي فقدت ولدها، فهي تنوح وتبكي عليه, كأنه يقول: فقدتك أمك, وهذه الكلمة لا يقصد معناها, وإنما تقال على سبيل الترحم أو التودع لعدم فهمه, أي: ألم تفهم الذي أقصده والذي أقوله من هذا الكلام؟ ألا تعقل ذلك؟ ثم قال: (وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) حصائد اللسان هي الآفات التي توقع الإنسان في النار والعياذ بالله، والنبي صلى الله عليه وسلم ينصح أحد أصحابه ويقول: (أمسك عليك لسانك, وليسعك بيتك, وابك على خطيئتك) فأمسك عليك لسانك حتى تنتفع بعباداتك لله سبحانه وتعالى.