للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وكان ذلك أكبر دليل على عظم هذه الأمة وعلو شأنها، وأنها قادرة على التجديد الموافق لمقصد الشارع، فقواعد المحدثين شاهد من شواهد الجهود الجبارة في هذه الأمة، حيث وضعوا قواعد وأنظمة يعجز العصر الحديث بما فيه من تقدم وتطور في الوسائل أن يحكم كما أحكمت، وأن يتقن كما أتقنت، فرحمهم الله رحمة واسعة وجزاهم عن الإسلام والسُّنَّة خير الجزاء (١).

وكان من تلك التدابير لحفظ السُّنَّة: تدوينها وفق قواعد متقنة، والفضل بعد الله ﷿ في هذه الخطوة المباركة يعود لأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الذي كتب إلى أئمة أهل السُّنَّة (٢) في الآفاق: انْظُرُوا حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ فَاجْمَعُوهُ وَاحْفَظُوهُ؛ فَإِنِّي أَخَافُ دُرُوسَ الْعِلْمِ، وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ (٣).

فكتب قاضي المدينة أبو بكر بن حزم ، ولكنه لم يُلم بجميع الأحاديث والآثار التي في المدينة، وكتب ابن شهاب الزهري ، فكان هو الجامع لأكثر السُّنَّة والمدوّن لها، ثم تتابع العلماء والمحدّثون على التدوين، فقلّما تجد بلدًا من البلدان إلا وفيه عالم يجمع ويكتب (٤).

حتى قُيّدت الآثار المروية عن الرسول في أوائل القرن الثاني الهجري، وتتابع التدوين عبر القرون، وذلك من خلال التصانيف الكثيرة من السنن والصحاح والمسانيد والآثار المنقولة بواسطة العدل الضابط عن مثله إلى


(١) المرجع السابق.
(٢) تدوين العقيدة السلفية (٣/ ٩) بتصرف.
(٣) علّقه البخاري في صحيحه مجزومًا به، كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم (١/ ٣١)، ويُنظر: تاريخ أصبهان، لأبي نعيم (١/ ٣٦٦)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ١٩٥).
(٤) على سبيل المثال: في مكة: ابن جريج، وابن إسحاق، وفي المدينة: سعيد بن أبي عروبة، ومالك بن أنس، وفي البصرة: حمّاد بن سلمة، وفي الكوفة: سفيان الثوري، وفي اليمن: معمر، وفي مصر: الليث بن سعد، وفي الشام: الأوزاعي، وفي واسط: هشيم بن بشير، وفي خرسان: عبد الله بن المبارك، وفي الري: جرير بن عبد الحميد. يُنظر: تدوين العقيدة السلفية (٣/ ٩) بتصرف.

<<  <   >  >>