للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

نتقدم بهم خطوة أخرى نبين لهم فيها أن هذا الكتاب الكريم يأبى بطبيعته أن يكون من صنع البشر، وينادي بلسان حاله أنه رسالة القضاء والقدر، حتى إنه لو وجد ملقًى في صحراء لأيقن الناظر فيه أن ليس من هذه الأرض منبعه ومنبته، وإنما كان من أفق السماء مطلعه ومهبطه.

ذلك أنَّ قدرة الناس وإن تفاوتت فإلى حدود محدودة لا تتعداها، وقدرة الخالق على الممكنات لا حد لها، فكل كائن يجاوز حدود القدرة العالمية واقع في حدود القدرة الإلهية ألبتَّة، ولا ثالث.

مثال ذلك: أنَّ الرجل قد يصرع الرجل وقد يصرع الرجلين وقد يصرع الآحاد والعشرات، ولكن هل من الناس من يقف في وجه العالم كله فيقهر الأمم أفرادًا وجماعات؟

والله يأتي بالشمس من المشرق، فمن ذا الذي يأتي بها من المغرب؟

وأنت تستطيع أن تطفئ المصباح وأن توقده حين تشاء، ولكن هل يستطيع الناس جميعًا أن يُطلِعوا الشمس قبل وقتها، أو يؤخروها عن ساعتها، أو يطفئوا نورها، أو يأتوا بمثلها ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا؟

إنهم لا يستطيعون أن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه، فأنى لهم أن يضاهئوا تلك الكائنات العلوية التي لا تنالها أيديهم ولا قذائفهم، والتي لا يملكون من أمرها سوى النَّظر إليها والإعجابِ بها، والاستفادة منها، والخضوع لها.

فذلك العجز العام عن مضاهاة الخلق، وعن محاكاة الصنعة هو آية كونها ليست من صنع الناس، وذلك هو الطابع الإلهي والمظهر السماوي الذي تمتاز به صنعةُ الخالق عن صنعة المخلوق، وهذا هو المثل الذي نريد أن نطبقه على القرآن الكريم.

غير أن من الناس فريقًا غريقًا في حَمَأة العِنَاد؛ يقولون: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢]، ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾

<<  <   >  >>