للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[[المثل المضروب للكافرين]]

فضرب مثلًا للمصرين المختوم على قلوبهم بقوم كانوا يسيرون في ظلام الليل فقام فيهم رجل استوقد لهم نارًا يهتدون بضوئها، فلما أضاءت ما حوله لم يفتح بعض القوم أعينهم لهذا الضوء الباهر، بل لأمر مَا سُلبوا نور أبصارهم وتعطلت سائر حواسهم عند هذه المفاجأة.

فذلك مثل النور الذي طلع به محمد (١) في تلك الأمة الأمية على فترة


(١) وهذا أيضًا غير ما ذكره المفسرون فقد جعلوا مستوقد النار مثلًا للمنافق الذي تكلف النطق بكلمة الإسلام خداعًا، فلم ينتفع بها إلا يسيرًا في دنياه، ثم قضى أجله وأفضى إلى عمله، فإذا هو في الظلمات والخسران المبين.
هكذا اعتبروا الضمائر المجموعة في قوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] إلخ عائدة إلى ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ [البقرة: ١٧] بمراعاة معناه، بعد أن عادت إلى الضمائر المفردة بمراعاة لفظه.
ونحن لا نزعم بطلان هذا التأويل، ولا ننكر إساغة اللغة له، ولكن الوجه الذي عرضناه ها هنا في شرح المثل يجمع إلى صحته العقلية واللغوية أنه مستنبط من النظم القرآني نفسه، ونحسبه مع ذلك أقرب لأسلوب القرآن وأليق بجزالته، فإن لم يكنه فليكن أحد الوجوه التي يحتملها القرآن.
أما كيف استنبطنا هذا المعنى من النظم فإليك بيانه:
لقد نظرنا إلى المثلين فرأينا الأسلوب فيهما يتجه اتجاهًا متوازيًا؛ إذ وجدنا في صدر كل منهما حديثًا عن شيء مفرد، وفي عجز كل منهما حديثًا عن جماعة.
ثم نظرنا إلى المثل الثاني فرأينا الضمير المجموع فيه ليس راجعًا إلى مرجع الضمير المفرد، بل هو راجع باتفاق المفسرين إلى أمر مفهوم من فحوى الكلام هو القوم الذين نزل عليهم الصيِّب، ومعلومٌ أن هذه التشبيهات المركبة التي ينظر فيها إلى مقابلة المجموع بالمجموع لا يعني فيها بالمقابلة اللفظية الأحادية لأبين ما قبل الكاف وما يليها على الترتيب: بل ربما يكون الاختلاف بينهما كما هنا أمرًا مطلوبًا للبلغاء في وجيز الكلام يقصدون به التنبيه من أول الأمر على ما سيحدثون في التشبيه من طيٍّ وتقديم وتأخير، والتنبيه على أن المشبه به ليس هو مدخول الكاف وحده، وإنما هو قصة متعددة الفصول، هذا المدخول أحد فصولها، ذلك ليبقى السامع محتفظًا بانتباهه وتشوقه إلى تمام الكلام الذي به يظهر له التطابق بين طرفي التشبيه، وبه يمكنه رد كل شيء إلى شبهه، هذا الضرب في أسلوب القرآن كثير، منه قوله تعالى ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١]، وقوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ﴾ [يونس: ٢٤]، وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩].
حينئذ عدنا إلى المثل الأول فقلنا: هل عسى أن يكون هو أيضًا سائرًا على هذا النهج حسبما يرشد إليه تعادل الأسلوبين؟ .. فيكون الضمير المجموع فيه ليس عائدًا إلى (الذي استوقد نارًا) بل إلى القوم الذي استوقدت النار من أجلهم، أليس السامع متى انتهى إلى كلمة (ما حوله) يزداد شعورًا بأن هنالك قومًا مشبَّهًا بهم؟ إذ سرعان ما ينتقل الذهن من المكان إلى السكان .. هذه الخطوة الأولى لم تلبث أن لحقتها الخطوات التالية: وهي أن النور الذي ذهب الله به إذا كان هو نور أولئك القوم، ولم يكن هو ضوء النار التي استوقدها المستوقد فتلك النار إذًا لم تطفأ ولم يذهب ضوءها فما يكون مضرب المثل بهذا الضياء الذي بقي هو وذهب غيره؟ .. ألا يكون هو ضوء الهداية الحقيقية التي أبى الله إلا أن يتمها ولو كره الكافرون.
ثم من يكون مضرب المثل بمستوقد النار؟ .. ألا يكون هو الهادي الأعظم صلوات الله عليه .. فقد استوقد شعلة الهداية الإسلامية، أي عالج إيقادها أمام زوابع من الفتن وأعاصير من المقاومات العنيفة، فلمَّا أوقدها وأضاءت ما حوله رغمت بها أنوف أعداء الحق، الذين أكل الجهل والحسد قلوبهم، فانطمست بصائرهم، وكانوا كلما ازدادت هي تألقًا وإشراقًا، ازدادوا هم ظلمة وانتكاسًا.
عند هذا الحد تمَّت أركان التشبيه، واستقام هذا المعنى الجديد على أنه احتمال يمكن فهم الآية عليه بحسب اللغة والعقل وبحسب معهود القرآن أيضًا في ضربه النور والضياء مثلًا للهدى والإيمان، والظلمة والعمى مثلًا للجهل والكفران، بيد أن اتفاق التفاسير التي بأيدينا على جعل مستوقد النار مثلًا للمنافقين جعلنا نتهيب تأدبًا أن نضربه مثلًا للرسول الأمين من غير شاهد يؤيد ذلك من الكتاب أو السنة .. وما برحت هذه المخالفة التي تحيك في الصدر وتبعد اطمئنان القلب إلى هذا المعنى حتى ظفرنا بشاهده الصريح الصحيح في حديث النبي عن نفسه، حيث يقول : (إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدَّواب التي تقع في النار تقع فيها، فجعل ينزعُهن ويغلبنه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحُجَزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها)، رواه الشيخان*.
نعم التمثيل به في الحديث من وجه غير الوجه الذي في الآية، ولكن هذا لا يضير، إذ المثل الواحد يضرب لمعان متعددة باعتبارات مختلفة، والذي يعنينا إنما هو وقوع التمثيل به للنبي الكريم ، وهو صريح في صدر الحديث كما نرى، فبذلك ازدادت النفس ركونًا إلى صحته.
وبعد فما بنا - علم الله - حب الخلاف ولا شهوة الإغراب، ولكنها أمانة العلم والنصيحة لكتاب الله تعالى حملتنا على أن نقول فيه أحسن ما نعلم، ثم شجعتنا على أن نسجل بالقلم هذا الذي قلناه بالفم، لنعرضه في الطِّرْس على أنظار القارئين، كما عرضناه في الدرس على أسماع الطالبين، لعل هؤلاء واجدون فيه من مواضع النقد والتمحيص ما لم يجده أولئك.
وهذا الباب من أبواب البحث والاستنباط الذي لا يمس أصلًا من أصول الدين ولا يحل حرامًا أو يحرم حلالًا لن يزال مفتوحًا لكل مسلم أعطاه الله فهمًا في كتابه، على شريطة القصد والأناة في سير العقل، ومع الاستضاءة في هذا السير بمصباحين من اللغة والشرع، على الحد الذي وصفنا، والمنهج الذي رسمنا، وبالله التوفيق.
* الحديث رواه البخاري: (٦٤٨٣)، وهو ما ذكره المؤلف، ومسلم: (٢٢٨٤)، ولفظه: عن أبي هريرة عن رسول الله ، قال: «مثلي كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيتقحمن فيها، قال: فذلكم مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحُجَزكم عن النار هلمَّ عن النار .. هلمَّ عن النار، فتغلبوني تقحَّمُون فيها».

<<  <   >  >>