للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يلغيها، ولا يبالغ في الانقطاع لها وترك ما سواها، والأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسُّنَّة؛ قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: ٧٧].

قال ابن العربي في تفسيرها: (فيها مسألتان؛ المسألة الأولى في معنى النصيب، وفيه ثلاثة أقوال: الأول: لا تنس حظك من الدنيا للآخرة كما قال ابن عمر: احرث لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا، الثاني: أمسك ما يبلغك، فذلك حظ الدنيا، وأنفق الفضل، فذلك حظ الآخرة، الثالث: لا تغفل شكر ما أنعم اللَّه عليك. المسألة الثانية: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} ذُكر فيها أقوال كثيرة، جماعها: اسْتَعمِلْ نِعَمَ اللَّه في طاعته، وقال مالك: معناها تعيش وتأكل وتشرب غير مضيق عليك في رأي، قال القاضي: أرى مالكًا أراد الردَّ على من يرى من الغالين في العبادة التقشُّف، والتقصُّف، والبأساء؛ فإنَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يأكل الحلوى، ويشرب العسل، ويستعمل الشواء، ويشرب الماء البارد) (١).

والشاهد من هذه الأقوال ما علَّلَ به القاضي رأي مالك حيث يتضح منه وسطيَّة الأُمَّة الإسلاميَّة في عبادتها مع أنَّها غاية الخلق، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: ٥٦].

ومِمَّا يوضح هذه الوسطيَّة، ما ورد عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- في شأن الثلاثة الذين اندفعوا نحو الترهب والتزيد في العبادة فذكر أحدهم أنَّه يريد أن يقوم الليل بمعنى أنه يحييه كلَّه بالصلاة دون أن ينام، وأراد الآخر أن يواصل الصيام فيصوم الدهر ولا يفطر، وعزم الثالث على أن يعتزل النساء فلا يتزوج، وكانوا قد تشاوروا في هذا المسلك بعد أن سألوا عن عبادة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: (فلما أخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قد غفر اللَّه ما تقدم من ذنبه وما


(١) أحكام القرآن، تحقيق: علي محمد البجاوي ٣/ ١٤٨٣، (مرجع سابق).

<<  <  ج: ص:  >  >>