للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الملائكة (١) ويزعمون أنهم بنات الله. أما الأوثان (٢) والأنصاب (٣) التي كانت تتنبأ لهم بخفايا الأمور أو ترمز - في نظرهم - إلى بعض الآلهة المستترة، فقد حضيت مع مرور الأيام بنفس التقديس والعبادة التى كانت لله. ولقد استطاعت العقليات الخيالية أن تخترع تدريجيا عددا لا يحصى من الآلهة الصغيرة التي وضعوها في مرتبة أقل من الخالق، وجعلوا لها اختصاصات محدودة تناسبها. إذ قياسا على أمور الناس لم يستطيعوا أن يتصوروا ملكا ليس له معاونين وحاشية يستحقون التقديس والعبادة. ولقد احتفظ‍ لنا الأثر من هذا الاعتقاد العجيب - حيث نجد الآلهة مملوكة لله الخالق وشريكة له في نفس الوقت - ببعض الصيغ التي كان الحجاج الوثنيون يبتهلون بها أثناء الحج «لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك .. » فالقول بأن الآلهة إله واحد كان في نظرهم قولا عجيبا (٤) وكاذبا، لدرجة أنهم زعموا أنهم لم يسمعوا به في مجتمعهم، ولا في الديانات السماوية السابقة (٥)، أي في المسيحية التي انتقلت إلى الجزيرة العربية من الشمال ومن الجنوب عن طريق بعض الطوائف اللاجئة. ورغم الاختلاف بين الشخصيات المؤلهة هنا وهناك، كانوا يجدون نوعا من التشابه بينها لاستخلاص بعض الحجج في صالح الوثنية (٦)، لأن أهل الكتاب نجحوا هم أيضا في الجمع بين توحيد الله الخالق وبين عدد من الآلهة الأخرى المعبودة.

[العلاج القرآني]

فمع هؤلاء وأولئك، وضد هؤلاء وأولئك، استند القرآن على العقيدة الأولى


(١) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً ... وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ [الزخرف ٢٠:١٩].
(٢) فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج: ٣٠].
(٣) إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: ٩٠].
(٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ص: ٥].
(٥) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ [ص: ٧].
(٦) وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً .. [الزخرف ٥٨:٥٧].

<<  <   >  >>