للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فبمظهرها وجوهرها تشبع حاجة كل من يفهم اللغة العربية. والقرآن - حامل هذه الرسالة - كان وسيظل النموذج الذي لا يبارى في الأدب العربي. فجمال أسلوبه محل إعجاب الجميع في كل العصور. وإذا نظرنا نظرة مجردة إلى الصفات الأدبية التي ينطوي عليها، نستطيع أن نقول إنه يعتبر المثل الأعلى لما يمكن أن يسمى أدبا بوجه عام. إذ أن لغة القرآن تمتاز بالسمو والجلالة، لا بالغواية والتأثير.

إنها تأخذ بالقلوب أكثر مما تغري الأسماع؛ إنها تثير الإعجاب لا المتعة؛ إنها تفحم بالحجة أكثر مما تستثير العواطف وتجلب السرور الهادئ لا الصاخب.

[بعض خصائص التركيب القرآني]

ففي العصر الذهبي للغة العربية - حيث بلغت الذروة في الصفاء والقوة، وحيث كانت تخلع ألقاب التشريف والتكريم علانية على الشعراء والخطباء في المسابقات السنوية، ما أن ظهر محكم التنزيل حتى اكتسح الحماس للشعر والنثر، وأنزلت المعلقات السبع من باب الكعبة واتجهت كل الأسماع إلى هذا الإعجاز الجديد في اللغة العربية.

فلغة القرآن مادة صوتية، تبعد عن طراوة لغة أهل الحضر. وخشونة لغة أهل البادية، وتجمع - في تناسق حكيم - بين رقة الأولى وجزالة الثانية، وتحقق السحر المنشود. بفضل هذا التوفيق الموسيقي البديع بينهما.

إنها ترتيب في مقاطع الكلمات في نظام أكثر تماسكا من النثر، وأقل نظما من الشعر، يتنوع في خلال الآية الواحدة ليجذب نشاط‍ السامع، ويتجانس في آخر الآيات سجعا، لكي لا يختل الجرس العام للوقفات في كل سورة (١).

أما كلماته، فمنتقاة من بين الكلمات المشهورة، دون أن تهبط‍ إلى مستوى الدارج، ومختارة من بين الكلمات السامية، التي لا توصف بالغريب إلا نادرا.

وتمتاز بالإيجاز العجيب في الكلام. إذ تعبر بأقل عدد من الكلمات عن أفكار


(١) هناك استثناءات من هذه القاعدة فقد لا ينتظم السجع إلا على مراحل، ويختلف بين مجموعات الآيات في نفس السورة. انظر مثلاسورة الحاقة والسور التالية.

<<  <   >  >>