للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

عظيمة. فقد كان اليهود يعتبرون هذا الرجل، أوسعهم علما، وأحسنهم خلقا.

وذلك قبل إعلان إسلامه مباشرة، فلما أعلن إسلامه أنكروا عليه كل ذلك بعد اتخاذه قراره مباشرة وفي نفس الجلسة (١).

وبين هاتين الفئتين المعادية والخاضعة، لم يترك التاريخ مكانا «لأصدقاء معلمين» للرسول صلى الله عليه وسلم.

[علاقة ابن سلام وسلمان الفارسي ومريم القبطية]

أما الادعاء بأن محمدا صلى الله عليه وسلم تلقي علمه من ابن سلام هذا، فلا ينطوي ذلك على تحريف للحقائق التاريخية فحسب بالخلط‍ بين دور التابع والمتبوع، وإنما ينطوي أيضا على قلب في ترتيب الأحداث التاريخية (٢) المعروفة لأن جوهر حقائق التوراة كله كان قد أعلن بدقة في مكة، وقبل أن تتاح الفرصة لأمثال عبد الله بن سلام أن «يروا وجه الرسول صلى الله عليه وسلم» (٣) والجدير بالملاحظة أن الآيات القليلة التي نزلت بالمدينة تتعلق في أغلبها بالحقائق الدينية المسيحية التي ينكرها اليهود تماما.

إذن مهما بذل المغرضون من محاولات لتجميع نقط‍ التشابه بين الحقائق القرآنية والحقائق اليهودية والمسيحية (٤)، سنقول: جهد ضائع بل إن ذلك سيكون معناه


(١) سيرة ابن هشام المجلد الأول ص ١٤١ - ١٤٢ والبخاري كتاب الهجرة الباب الأول.
(٢) وخلط‍ تاريخي آخر مع فاصل زمني أكبر يستحق الذكر هنا عن الدور المزعوم لسلمان الفارسي ومريم القبطية كمعلمين لمحمد عن الديانة الزرادشتية والديانة المسيحية. والواقع أن إسلام سلمان كان بعد الهجرة بقليل وكان لا يزال يعاني من وطأة الرق مدة أربع سنوات وهو في خدمة سيد يهودي مستبد ولم يتمكن من مصاحبة الرسول صلّى الله عليه وسلم إلا في معركة الخندق في العام الخامس الهجري (سيرة ابن هشام المجلد الأول ص ١٤١ - ١٤٢) أما مريم المصرية فقد وصلت بعد هذا التاريخ في العام السابع الهجري. هل هناك ضرورة لأن نذكر أنه إذا كان القرآن مرتبطا بالتوراة كأنهما أعضاء أسرة واحدة فإنه يوجد انفصال بين دعوته وبين مباديء «أفستا».
(٣) الترمذي كتاب صفات القيامة باب ٤٠.
(٤) وهو ما تركزت عليه جهود الدكتور س. تسدال في كتابه باللغة الانجليزية عن «مصادر القرآن» إلا أنه وهو يحاول أن يثبت أن القرآن يرتبط‍ بالأساطير التاريخية أكثر من ارتباطه بالحقائق التاريخية (ص ٦١ - ٦٢) أغفل هذا المؤلف عن عمد ذكر أي تشابه بين القرآن وبين العهد القديم والعهد الجديد، منذ خلق الكون حتى نهايته، وينهمك بصفة خاصة في الكشف عن ارتباط‍ بعض التفاصيل في القرآن بما ورد في التلمود والآثار اليهودية والمسيحية البعيدة عن التوراة والانجيل.

<<  <   >  >>