للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

النعمة إلا أن يتولى هو تعالى بما يلقنهم من كلامه مما يكون أداء لحق فضله عليهم بذلك، وإذا كانوا لا يستطيعون الإنباء عن أنفسهم بما يجب عليهم من حق ربهم فكيف بما يكون نبأ عن تحميد الله وتمجيده، فإذًا ليس لهم وصلة إلا تلاوة كلامه العلي بفهم كان ذلك أو بغير فهم» (١).

خامسًا: مناسبة قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)}.

بالآية السابقة وهي قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)}.

لمَّا أفرد العبادُ ربّهم بالعبودية وأذعنوا له، ولجأوا إليه وأفردوه سبحانه-كذلك-بالاستعانة احتاجوا إلى سبيل واضح وطريق قويم يهتدوا إليه ويسيروا عليه في تحقيق هذه العبودية وتلك الاستعانة، فناسب أن يدلهم ربُهم على طلب وسؤال الهداية والدلالة على هذا الطريق ليلهمهم التوفيق إليه ويعينهم على الثبات عليه فناسب أن يقول: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)} وبذلك تتحقق لهم الهدايتين جميعًا: هداية الدلالة والإرشاد، وهداية التوفيق والإلهام. ولا شك في أن سؤال الله الهدايتين جميعًا هو استعانة به سبحانه لتحقيق عبودية الاستقامة على الصراط، ومن هنا يتبين المناسبة بين الآيتين.

وفي نحو ذلك قال ابن القيم -رحمه الله-: «لما كان سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم أجل المطالب، ونيله أشرف المواهب، علَّم الله عباده كيفية سؤاله، وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه وتمجيده، ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم: توسل إليه بأسمائه وصفاته، وتوسل إليه بعبوديته، وهاتان الوسيلتان لا يكاد يرد معهما الدعاء» (٢).

وكلام ابن القيم -رحمه الله- آنفًا إنما يقصد به أوجه التناسب في سورة الفاتحة.

«وفي الآية ندب إلى اعتقاد العجز واستشعار الافتقار والاعتصام بحوله وقوته،


(١) المرجع السابق (١٣٤ - ٣٥).
(٢) مدارج السالكين (١/ ٤٨).

<<  <   >  >>