للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[كشف الأسرار]

إثْبَاتِ الْمُنَاسِبِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ عَلَى خَصْمِهِ فِي مَقَامِ الِاسْتِدْلَالِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَقُولَ السَّائِلُ هَذَا مِمَّا لَا يَتَلَقَّاهُ عَقْلِي بِالْقَبُولِ، وَلَيْسَ الِاحْتِجَاجُ عَلَى بِمَا يَتَلَقَّاهُ عَقْلُ غَيْرِي بِالْقَبُولِ أَوْلَى مِنْ الِاحْتِجَاجِ عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ بِعَدَمِ تَلَقِّي عَقْلِي لَهُ بِالْقَبُولِ.

ثُمَّ قَالَ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الْمُنَاسِبُ وَصْفٌ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ يَحْصُلُ عَقْلًا مِنْ تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا مِنْ حُصُولِ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّا لَا نَعْتَبِرُ الْمُلَاءَمَةَ لِلْإِلْزَامِ عَلَى الْخَصْمِ بَلْ لِصِحَّةِ الْعَمَلِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَاَلَّذِي يُنَاظِرُ نَفْسَهُ لَا يُكَابِرُ نَفْسَهُ فِيمَا يَقْتَضِي عَقْلَهُ وَالْمُلَاءَمَةُ بِالْهَمْزِ الْمُوَافَقَةُ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ هَذَا طَعَامٌ لَا يُلَائِمُنِي أَيْ لَا يُوَافِقُنِي، وَلَا يُقَالُ مُلَاوَمَةٌ بِالْوَاوِ فَإِنَّهَا مِنْ اللَّوْمِ وَقَوْلُهُ وَلَكِنْ لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ أَيْ بِالْوَصْفِ إلَّا بِالْعَدَالَةِ - اسْتِدْرَاكٌ مِنْ مَفْهُومِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ، وَتَقْدِيرُهُ وَلَا يَصِحُّ الْعَمَلُ بِالْوَصْفِ قَبْلَ الْمُلَاءَمَةِ وَيَصِحُّ بَعْدَهَا وَلَكِنْ لَا يَجِبُ إلَّا بَعْدَ الْعَدَالَةِ قَالَ أَبُو الْيُسْرِ إذَا كَانَ الْوَصْفُ مُلَائِمًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً وَيَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ وَلَكِنْ لَا يَجِبُ مَا لَمْ يَكُنْ مُؤَثِّرًا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَا لَمْ يَكُنْ مُخَيَّلًا فَإِذَا ظَهَرَ أَثَرُ إخَالَتِهِ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ فَالْمُلَاءَمَةُ شَرْطٌ لِجَوَازِ الْعَمَلِ بِالْعِلَلِ وَالتَّأْثِيرِ، وَالْإِخَالَةِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهَا قَالَ وَمَعْنَى قَوْلِنَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالْعِلَّةِ قَبْلَ ظُهُورِ التَّأْثِيرِ أَنَّهُ لَوْ عَمِلَ بِهَا عَامِلٌ نَفَذَ الْعَمَلُ، وَلَمْ يُقْبَحْ كَمَا لَوْ قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَةِ شُهُودٍ غَيْرِ ظَاهِرِ الْعَدَالَةِ قَوْلُهُ (وَالْعَدَالَةُ عِنْدَنَا هِيَ الْأَثَرُ) يَعْنِي لَيْسَ الْخِلَافُ فِي تَفْسِيرِ صَلَاحِ الْوَصْفِ إنَّمَا الْخِلَافُ فِي تَفْسِيرِ الْعَدَالَةِ فَعِنْدَنَا عَدَالَةُ الْوَصْفِ تَثْبُتُ بِالتَّأْثِيرِ، ثُمَّ فَسَّرَ الْوَصْفَ الْمُؤَثِّرَ فَقَالَ: وَإِنَّمَا نَعْنِي بِالْأَثَرِ أَيْ بِالْوَصْفِ الْمُؤَثِّرِ مَا جُعِلَ لَهُ أَثَرٌ فِي الشَّرْعِ.

وَلَعَلَّهُ إنَّمَا فَسَّرَهُ بِمَا ذُكِرَ رَدًّا لِمَا فَسَّرَهُ الْبَعْضُ بِالدَّوَرَانِ وُجُودًا وَعَدَمًا فَإِنَّ صَاحِبَ الْقَوَاطِعِ رَوَى عَنْ أَبِي الطَّيِّبِ أَنَّ التَّأْثِيرَ عِنْدَهُ أَنْ يُوجَدَ الْحُكْمُ بِوُجُودِ الْعِلَّةِ وَيَعْدَمُ بِعَدَمِهَا كَالشِّدَّةِ فِي الْخَمْرِ يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بِوُجُودِهَا وَيَزُولُ بِزَوَالِهَا وَكَالرِّقِّ فِي نُقْصَانِ الْحَدِّ يُوجَدُ النُّقْصَانُ بِوُجُودِهِ، وَيَزُولُ بِزَوَالِهِ وَفَسَّرَ الشَّيْخُ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ وَنَعْنِي بِالتَّأْثِيرِ أَنْ يَكُونَ لِجِنْسِ ذَلِكَ الْوَصْفِ تَأْثِيرٌ فِي إثْبَاتِ جِنْسِ ذَلِكَ الْحُكْمِ فِي مَوْرِدِ الشَّرْعِ إمَّا مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ أَوْ بِالسُّنَّةِ، أَوْ بِالْإِجْمَاعِ أَيْ يَثْبُتُ أَثَرُ هَذَا الْوَصْفِ بِهَذِهِ الْحُجَجِ وَذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ أَعْلَى أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ الْمُؤَثِّرِ، وَهُوَ بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ إلَى عَيْنِ الْعِلَّةِ وَجِنْسِهَا، وَعَيْنُ الْحُكْمِ وَجِنْسُهُ أَرَبَعَةُ أَقْسَامٍ فَالْأَوَّلُ هُوَ أَنْ يَظْهَرَ تَأْثِيرُ عَيْنِ الْوَصْفِ فِي عَيْنِ ذَلِكَ الْحُكْمِ، وَهُوَ الْمَقْطُوعُ الَّذِي رُبَّمَا يُقِرُّ بِهِ مُنْكِرُ الْقِيَاسِ إذْ لَا يَبْقَى بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ مُبَايَنَةٌ إلَّا تَعَدُّدُ الْمَحَلِّ فَإِنَّهُ إنْ ثَبَتَ أَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا فِي التَّمْرِ الْكَيْلُ فَالْجِصُّ مُلْحَقٌ بِهِ بِلَا شُبْهَةٍ وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ عِلَّتَهُ الطَّعْمُ فَالزَّبِيبُ مُلْحَقٌ بِهِ قَطْعًا إذْ لَا يَبْقَى إلَّا اخْتِلَافُ عَدَدِ الْأَشْخَاصِ الَّتِي هِيَ مَجَارِي الْمَعْنَى وَيَكُونُ ذَلِكَ كَظُهُورِ أَثَرِ الْوِقَاعِ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْأَعْرَابِيِّ إذْ يَكُونُ التُّرْكِيُّ وَالْهِنْدِيُّ فِي مَعْنَاهُ.

وَالثَّانِي أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُ عَيْنِهِ فِي جِنْسِ ذَلِكَ الْحُكْمِ أَيْ جِنْسِهِ الْقَرِيبِ كَتَأْثِيرِ الْأُخُوَّةِ لِأَبٍ وَأُمٍّ فِي التَّقْدِيمِ فِي الْمِيرَاثِ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ وِلَايَةُ الْإِنْكَاحِ فَإِنَّ الْوِلَايَةَ لَيْسَتْ هِيَ عَيْنُ الْمِيرَاثِ لَكِنَّ بَيْنَهُمَا مُجَانَسَةً فِي الْحَقِيقَةِ فَإِنَّ هَذَا حَقٌّ وَذَلِكَ حَقٌّ، وَهَذَا دُونَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمُفَارَقَةَ بَيْنَ جِنْسٍ وَجِنْسٍ غَيْرُ بَعِيدَةٍ بِخِلَافِ الْمُفَارَقَةِ بَيْنَ مَحَلٍّ وَمَحَلٍّ فَإِنَّهُمَا لَا يَفْتَرِقَانِ أَصْلًا فِيمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ لَهُ مَدْخَلًا فِي التَّأْثِيرِ وَالثَّالِثُ أَنْ يُؤَثِّرَ جِنْسُهُ الْقَرِيبُ فِي عَيْنِ ذَلِكَ الْحُكْمِ كَإِسْقَاطِ قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ

<<  <  ج: ص:  >  >>