للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بَابُ شُرُوطِ) (الْإِجْمَاعِ) :

قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ أَصْحَابُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - انْقِرَاضُ الْعَصْرِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الشَّرْطُ أَنْ يَمُوتُوا عَلَى ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ رُجُوعِ بَعْضِهِمْ لَكِنَّا نَقُولُ مَا ثَبَتَ بِهِ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً لَا فَصْلَ فِيهِ وَإِنَّمَا ثَبَتَ مُطْلَقًا فَلَا يَصِحُّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، وَهُوَ نَسْخٌ عِنْدَنَا وَلِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُو الْإِجْمَاعَ كَرَامَةً لَهُ لَا لِمَعْنًى يُعْقَلُ فَوَجَبَ ذَلِكَ بِنَفْسِ الْإِجْمَاعِ

ــ

[كشف الأسرار]

الْبِلَادِ، وَأَقَامُوا بِهَا حَتَّى مَاتُوا

وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ قَوْلَهُمْ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُمْ الْأَكْثَرُونَ وَالْعِبْرَةُ بِقَوْلِ الْأَكْثَرِ فَهُوَ فَاسِدٌ أَيْضًا لِمَا سَيُذْكَرُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ لِاتِّفَاقِهِمْ فِي قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ عَلَى أَنَّهُمْ اسْتَدَلُّوا إلَى سَمَاعٍ قَاطِعٍ فَإِنَّ الْوَحْيَ نَزَلَ فِيهِمْ فَلَا يَشِذُّ عَنْهُمْ مَدَارِكُ الشَّرِيعَةِ فَهُوَ تَحَكُّمٌ؛ إذْ لَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَسْمَعَ غَيْرُهُمْ حَدِيثًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ أَوْ فِي الْمَدِينَةِ لَكِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا قَبْلَ نَقْلِهِ فَالْحُجَّةُ فِي الْإِجْمَاعِ وَلَا إجْمَاعَ.

[بَابُ شُرُوطِ الْإِجْمَاعِ]

الِانْقِرَاضُ الِانْقِطَاعُ وَانْقِرَاضُ الْعَصْرِ أَيْ أَهْلِهِ عِبَارَةٌ عَنْ مَوْتِ جَمِيعِ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي وَقْتِ نُزُولِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى حُكْمٍ فِيهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِهِ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ فَقَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ وَلَا لِصَيْرُورَتِهِ حُجَّةً، وَهُوَ أَصَحُّ مَذَاهِبِ الشَّافِعِيِّ، وَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ إلَى أَنَّهُ شَرْطٌ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ كَأَبِي إِسْحَاقَ الإِسْفِرايِينِي إنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى الْحُكْمِ قَوْلًا وَفِعْلًا لَا يُشْتَرَطُ الِانْقِرَاضُ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ بِنَصِّ الْبَعْضِ وَسُكُوتِ الْبَاقِينَ يُشْتَرَطُ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ عَنْ قِيَاسٍ كَانَ شَرْطًا، وَإِلَّا فَلَا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ.

ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِالِاشْتِرَاطِ اخْتَلَفُوا فِي فَائِدَتِهِ، فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمَنْ تَابَعَهُ: إنَّهَا جَوَازُ الرُّجُوعِ قَبْلَ الِانْقِرَاضِ لَا دُخُولُ مَنْ سَيَحْدُثُ فِي إجْمَاعِهِمْ وَاعْتِبَارُ مُوَافَقَتِهِ لِلْإِجْمَاعِ حَتَّى لَوْ أَجْمَعُوا وَانْقَرَضُوا مُصِرِّينَ عَلَى مَا قَالُوا يَكُونُ إجْمَاعًا، وَإِنْ خَالَفَهُمْ الْمُجْتَهِدُ اللَّاحِقُ فِي زَمَانِهِمْ، وَقِيَاسُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُخَالِفُ عَارِفًا لِلْإِجْمَاعِ أَيْضًا لِوُقُوعِ الْخِلَافِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ إذْ اتِّفَاقُهُمْ لَيْسَ إجْمَاعًا بَعْدُ بَلْ الْأَمْرُ مَوْقُوفٌ فَإِذَا انْقَرَضُوا لَمْ يَبْقَ ذَلِكَ الْخِلَافُ مُعْتَبَرًا وَيَكُونُ قَوْلُ الْمُخَالِفِ إذْ ذَاكَ خَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ.

وَذَهَبَ الْبَاقُونَ مِنْهُمْ إلَى أَنَّهَا جَوَازُ الرُّجُوعِ وَإِدْخَالُ مَنْ أَدْرَكَ عَصْرَهُمْ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِي إجْمَاعِهِمْ أَيْضًا وَاعْتِبَارُ مُوَافَقَتِهِمْ لَا إدْخَالُ مَنْ أَدْرَكَ عَصْرَ مَنْ أَدْرَكَ عَصْرَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَلَّا يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ أَصْلًا.

احْتَجَّ مَنْ شَرَطَ الِانْقِرَاضَ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا صَارَ حُجَّةً بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ بِنَاءً عَلَى وَصْفِ الِاجْتِمَاعِ فَلَا يَثْبُتُ الِاجْتِمَاعُ إلَّا بِاسْتِقْرَارِ الْآرَاءِ وَاسْتِقْرَارُهَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِانْقِرَاضِ الْعَصْرِ؛ لِأَنَّ قَبْلَهُ يَكُونُ النَّاسُ فِي حَالِ تَأَمُّلٍ وَتَفَحُّصٍ، وَكَانَ رُجُوعُ الْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ مُحْتَمَلًا وَمَعَ احْتِمَالِ الرُّجُوعِ لَا يَثْبُتُ الِاسْتِقْرَارُ فَلَا يَثْبُتُ الْإِجْمَاعُ.

يُوَضِّحُهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ نَهَى التَّسْوِيَةَ فِي الْقِسْمَةِ وَلَا يَفْضُلُ مَنْ كَانَ لَهُ فَضِيلَةٌ مِنْ سَبْقِ الْإِسْلَامِ وَالْعِلْمِ وَقِدَمِ الْعَهْدِ عَلَى غَيْرِهِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمَّا صَارَ الْأَمْرُ إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَالَفَهُ فِيهِ وَفَضَّلَ فِي الْقِسْمَةِ بِالسَّبْقِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْعِلْمِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَإِنَّمَا صَحَّتْ هَذِهِ الْمُخَالَفَةُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْعَصْرَ لَمْ يَنْقَرِضْ وَأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يَرَى عَدَمَ جَوَازِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، ثُمَّ إنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَالَفَهُ مِنْ بَعْدُ، حَتَّى قَالَ لَهُ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ بِأَنَّك فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ رَأْيِك وَحْدَك

<<  <  ج: ص:  >  >>