للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَلِهَذَا قَالُوا فِي الْكَافِرِ إذَا أَدْرَكَ الْجُزْءَ الْأَخِيرَ بَعْدَمَا أَسْلَمَ لَزِمَهُ فَرْضُ الْوَقْتِ، وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي نَوَادِرِ الصَّلَاةِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَائِضِ إذَا طَهُرَتْ وَأَيَّامُهَا عَشْرَةٌ إنَّ الصَّلَاةَ تَلْزَمُهَا إذَا أَدْرَكَتْ شَيْئًا مِنْ الْوَقْتِ قَلِيلًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ كَثِيرًا وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا كَانَ الْجُزْءُ السَّابِقُ أَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ سَبَبًا لِعَدَمِ مَا يُزَاحِمُهُ، وَبِدَلِيلِ أَنَّ الْأَدَاءَ بَعْدَ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ صَحِيحٌ وَلَوْلَا أَنَّهُ سَبَبٌ لَمَا صَحَّ وَلَمَا صَارَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ سَبَبًا أَفَادَ الْوُجُوبَ بِنَفْسِهِ وَأَفَادَ صِحَّةَ الْأَدَاءِ لَكِنَّهُ لَمْ يُوجِبْ الْأَدَاءَ لِلْحَالِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ جَبْرٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِلَا اخْتِيَارٍ مِنْ الْعَبْدِ ثُمَّ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْوُجُوبِ تَعْجِيلُ الْأَدَاءِ بَلْ الْأَدَاءُ مُتَرَاخٍ إلَى الطَّلَبِ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَمَهْرِ النِّكَاحِ يَجِبَانِ بِالْعَقْدِ، وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ يَتَأَخَّرُ إلَى الْمُطَالَبَةِ وَهُوَ الْخِطَابُ فَأَمَّا الْوُجُوبُ فَبِالْإِيجَابِ لِصِحَّةِ سَبَبِهِ لَا بِالْخِطَابِ

ــ

[كشف الأسرار]

وَهُوَ الْجُزْءُ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ الزَّمَانِ إذْ هُوَ مُرَادٌ بِكُلِّ حَالٍ وَلَا دَلِيلَ عَلَى الزَّائِدِ عَلَيْهِ فَتَعَيَّنَ لِلسَّبَبِيَّةِ وَلِهَذَا لَوْ أَدَّى بَعْدَ مُضِيِّ جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ جَازَ.

قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِكَوْنِ السَّبَبِيَّةِ مُقْتَصِرَةً عَلَى الْجُزْءِ الْأَدْنَى قَالُوا أَيْ أَصْحَابُنَا الثَّلَاثَةُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - إنَّ الْكَافِرَ إذَا أَسْلَمَ وَقَدْ بَقِيَ جُزْءٌ وَاحِدٌ مِنْ الْوَقْتِ لَزِمَهُ فَرْضُ الْوَقْتِ أَيْ قَضَاؤُهُ لِوُجُودِ السَّبَبِ حَالَ صَيْرُورَتِهِ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ، وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي نَوَادِرِ الصَّلَاةِ أَرَادَ بِهِ النَّوَادِرَ الَّتِي رَوَاهَا أَبُو سُلَيْمَانَ عَنْهُ فَذَكَرَ فِيهَا امْرَأَةً أَيَّامُ أَقْرَائِهَا عَشْرَةٌ فَانْقَطَعَ الدَّمُ عَنْهَا وَعَلَيْهَا مِنْ الْوَقْتِ شَيْءٌ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ فَعَلَيْهَا قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا خَصَّ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَ قَوْلَهُمْ جَمِيعًا بِاعْتِبَارِ التَّصْنِيفِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ إنَّمَا يَكُونُ لِإِثْبَاتِ الْمَذْهَبِ أَوْ لِبَيَانِ تَأْثِيرِ الْأَصْلِ وَلَا يَكُونُ لِإِثْبَاتِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ إثْبَاتُ الْأَصْلِ بِالْفَرْعِ وَمَا ذُكِرَ هَهُنَا مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.

قَوْلُهُ (وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا) أَيْ وُجُوبُ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْجُزْءِ الْأَدْنَى بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ، كَانَ الْجُزْءُ السَّابِقُ أَوْلَى بِالسَّبَبِيَّةِ أَيْ حَالَ وُجُودِهِ لِعَدَمِ مَا يُزَاحِمُهُ إذْ الْمَعْدُومُ لَا يُعَارِضُ الْمَوْجُودَ.

قَوْلُهُ (أَفَادَ الْوُجُوبَ بِنَفْسِهِ) أَيْ أَفَادَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ الْوُجُوبَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى انْضِمَامِ شَيْءٍ آخَرَ إلَيْهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنْ الِاسْتِطَاعَةِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ لَمَّا وُجِدَ فِي حَقِّ الْأَهْلِ وَلَمْ يُوجَدْ مَانِعٌ ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ لَا مَحَالَةَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَاءُ زَائِدَةً وَالضَّمِيرُ رَاجِعًا إلَى الْوُجُوبِ أَيْ أَفَادَ نَفْسَ الْوُجُوبِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَفَادَ الْوُجُوبَ نَفْسَهُ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يُثْبِتَ مَعْنًى فِي الذِّمَّةِ يُفِيدُ صِحَّةَ الْأَدَاءِ وَلَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ قَبْلَ الطَّلَبِ، قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ: نَفْسُ الْوُجُوبُ اشْتِغَالُ الذِّمَّةِ بِالْوَاجِبِ كَالصَّبِيِّ إذَا أَتْلَفَ مَالَ إنْسَانٍ يَشْتَغِلُ ذِمَّتُهُ بِوُجُوبِ الْقِيمَةِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ بَلْ يَجِبُ عَلَى وَلِيِّهِ وَكَذَا الْقِصَاصُ يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاءُ الْوَاجِبِ وَهُوَ الْقِصَاصُ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ النَّفْسِ إذَا طُلِبَ مِنْ لَهُ الْقِصَاصُ بِتَسْلِيمِ النَّفْسِ لِاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، ثُمَّ قَالَ الْوُجُوبُ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ وَالْأَمْرُ الْحُكْمِيُّ يُعْرَفُ بِالْحُكْمِ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ إذَا أَدَّى مَا فِي ذِمَّتِهِ يَقَعُ وَاجِبًا.

قَوْلُهُ (وَأَفَادَ صِحَّةَ الْأَدَاءِ) ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ لَمَّا ثَبَتَ كَانَ جَوَازُ الْأَدَاءِ مِنْ ضَرُورَاتِهِ عَلَى مَا عَلَيْهِ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ فَإِنَّ الْوُجُوبَ يُفِيدُ جَوَازَ الْأَدَاءِ عِنْدَهُمْ، لَكِنَّهُ أَيْ لَكِنَّ السَّبَبَ أَوْ نَفْسَ الْوُجُوبِ لَا يُوجِبُ الْأَدَاءَ لِلْحَالِ، وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى قَوْلِهِ لَا يُوجِبُ الْأَدَاءَ لِلْحَالِ.

وَبَيَانُهُ أَنَّ الْوُجُوبَ ثَبَتَ جَبْرًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِلَا اخْتِيَارٍ مِنْ الْعَبْدِ وَالْوُجُوبُ بِلَا اخْتِيَارٍ مِنْهُ فِي مُبَاشَرَةِ سَبَبِهِ لَا يُوجِبُ الْأَدَاءَ لِلْحَالِ كَثَوْبٍ هَبَّتْ بِهِ الرِّيحُ وَأَلْقَتْهُ فِي حِجْرِ إنْسَانٍ دَخَلَ فِي عُهْدَتِهِ حَتَّى صَحَّتْ مُطَالَبَةُ صَاحِبِهِ إيَّاهُ بِهِ وَلَكِنْ لَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ قَبْلَ الطَّلَبِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ قَبْلَ الطَّلَبِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ حُصُولَهُ فِي يَدِهِ كَانَ بِغَيْرِ صُنْعِهِ فَكَذَا هَذَا بِخِلَافِ الْغَصْبِ فَأَنَّهُ مُخْتَارٌ مُتَعَدٍّ فِي مُبَاشَرَةِ سَبَبِ الضَّمَانِ فَيَجِبُ التَّسْلِيمُ قَبْلَ الطَّلَبِ إزَالَةً لِلتَّعَدِّي.

، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ دَلِيلًا عَلَى ثُبُوتِ نَفْسِ الْوُجُوبِ بِوُجُودِ نَفْسِ السَّبَبِ، وَقَوْلُهُ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْوُجُوبِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ لَا يُوجِبُ الْأَدَاءَ لِلْحَالِ فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ دَلِيلًا عَلَى الْمَجْمُوعِ.

، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْوُجُوبَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اخْتِيَارِ الْعَبْدِ وَقُدْرَتِهِ

<<  <  ج: ص:  >  >>