للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَقَدْ قَالَ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ لَا يَزَالُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مَنْ يَحْمِي اللَّهُ بِهِ دِينَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ فَقِيلَ لَهُ وَمَنْ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْكُوفِيُّ وَمِثَالُ ذَلِكَ مَنْ طَعَنَ بِرَكْضِ الدَّابَّةِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الْجِهَادِ كَالسِّبَاقِ بِالْخَيْلِ وَالْأَقْدَامِ وَمِثْلُ طَعْنِ بَعْضِهِمْ بِالْمِزَاحِ وَهُوَ أَمْرٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ حَقًّا لَا بَاطِلًا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا يَسْتَفِزُّهُ الْخِفَّةُ فَيَتَخَبَّطُ وَلَا يُبَالِي، وَمِنْ ذَلِكَ الطَّعْنُ بِالصِّغَرِ وَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ الْإِتْقَانُ عِنْدَ التَّحَمُّلِ وَالْبُلُوغِ وَالْعَدَالَةُ عِنْدَ الرِّوَايَةِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَذَلِكَ مِثْلُ حَدِيثِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صعير الْعُذْرِيِّ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ أَنَّهَا نِصْفُ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ.

أَلَا تَرَى أَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ لِصِغَرِهِ لَمْ تَسْقُطْ وَلِذَلِكَ قَدَّمْنَاهُ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ أَنَّهَا صَاعٌ مِنْ حِنْطَةٍ؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الِاتِّصَالِ وَهَذَا أَثْبَتُ مَتْنًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ

ــ

[كشف الأسرار]

مَا يَقْبُحُ فِي مَنْزِلِ الْقُدْوَةِ مِثْلُ مَا يُحْكَى عَنْ مَشَايِخِ الْعُزْلَةِ مِنْ أُمُورٍ ظَاهِرُهَا مُخَالِفٌ لِلشَّرِيعَةِ صَدَرَتْ عَنْهُمْ بِنَاءً عَلَى تَأْوِيلٍ وَأَعْذَارٍ ظَهَرَ لَهُمْ، مِثْلُ مَا حُكِيَ عَنْ الْمَنْصُورِ الْحَلَّاجِ مِنْ قَوْلِهِ أَنَا الْحَقُّ وَمَا حُكِيَ عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْبِسْطَامِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ سِوَى اللَّهِ وَقَوْلِهِ سُبْحَانِي مَا أَعْظَمَ شَأْنِي وَمَا حُكِيَ عَنْ الشِّبْلِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ إتْلَافِ الْمَالِ وَإِلْقَائِهِ فِي الْبَحْرِ. وَقَوْلُهُ (وَقَدْ قَالَ فِيهِ) كَذَا دَلِيلُ عَدَمِ صِحَّةِ هَذَا الطَّعْنِ.

قَوْلُهُ (وَمِثَالُ ذَلِكَ) أَيْ مِثَالُ الطَّعْنِ بِمَا لَيْسَ بِذَنْبٍ الطَّعْنُ بِرَكْضِ الدَّابَّةِ وَهُوَ حَثُّهَا عَلَى الْعَدْوِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ لِمَ تَرَكْت حَدِيثَ فُلَانٍ قَالَ رَأَيْته يَرْكُضُ عَلَى بِرْذَوْنٍ فَتَرَكْتُ حَدِيثَهُ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ أَيْ الرَّكْضَ مِنْ أَسْبَابِ الْجِهَادِ إذْ هُوَ مِنْ جِنْسِ السِّبَاقِ بِالْخَيْلِ الَّذِي هُوَ مَنْدُوبٌ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَا قَالَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا سَبَقَ إلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ» فَأَنَّى يُجْعَلُ ذَلِكَ طَعْنًا، وَمِنْ ذَلِكَ طَعْنُهُمْ بِالصِّغَرِ، شَرَطَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ الْبُلُوغَ عِنْدَ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ جَمِيعًا فَلَمْ يَعْتَبِرُوا سَمَاعَ الصَّبِيّ أَصْلًا، وَقَالَ قَوْمٌ الْحَدُّ فِي السَّمَاعِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَقِيلَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَقَالَ الشَّيْخُ لَا يَقْدَحُ الصِّغَرُ عِنْدَ التَّحَمُّلِ فِي الرِّوَايَةِ إذَا ثَبَتَ الْإِتْقَانُ عِنْدَ التَّحَمُّلِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ قَبْلُ، وَذَلِكَ أَيْ الْحَدِيثُ الَّذِي طُعِنَ فِيهِ بِصِغَرِ رِوَايَةٍ عِنْدَ التَّحَمُّلِ مِثْلُ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صعير الْعُذْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ» فَقَالُوا هَذَا الْحَدِيثُ لَا يُعَادِلُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ» ؛ لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ مِنْ أَصَاغِرِهِمْ فَإِنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْفَتْحِ وَهُوَ صَغِيرٌ وَهَذَا الطَّعْنُ بَاطِلٌ لِمَا مَرَّ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الصَّحَابَةِ تَحَمَّلُوا فِي صِغَرِهِمْ وَقُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْكِبْرِ وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَخَذَ بِحَدِيثِ نُعْمَانَ بْنِ بَشِيرٍ فِي إثْبَاتِ حَقِّ الرُّجُوعِ لِلْوَالِدِ فِيمَا يَهَبُ لِوَلَدِهِ.

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ نَحَلَهُ أَبُوهُ غُلَامًا وَهُوَ ابْنُ سَبْعُ سِنِينَ فَعَرَفْنَا أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَكُونُ طَعْنًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَالصَّحِيحُ فِي نِسْبَةِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُذْرِيُّ دُونَ الْعَدَوِيِّ فَإِنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْغَسَّانِيَّ قَالَ الْعَدَوِيُّ فِي نِسْبَتِهِ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ تَصْحِيفٌ إنَّمَا هُوَ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ، وَذَكَرَ فِي الْمُغْرِبِ الْعُذْرَةُ وَجَعٌ فِي الْحَلْقِ مِنْ الدَّمِ وَبِهَا سُمِّيَتْ الْقَبِيلَةُ الْمَنْسُوبُ إلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صَغِيرٍ الْعُذْرِيُّ وَمَنْ رَوَى الْعَدَوِيَّ فَكَأَنَّهُ نَسَبَهُ إلَى جَدِّهِ الْأَكْبَرِ وَهُوَ عَدِيُّ بْنُ صَغِيرٍ الْعَبْدِيُّ كَذَا فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَلِذَلِكَ قَدَّمْنَاهُ أَيْ وَلِأَنَّ الصِّغَرَ لَا يَقْدَحُ فِي الرِّوَايَةِ قَدَّمْنَا حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ ثَعْلَبَةَ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأَنَّهُمَا أَيْ الْحَدِيثَيْنِ اسْتَوَيَا فِي الِاتِّصَالِ بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؛ لِأَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ مَعَ صِغَرِهِ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي صِحَّةِ السَّنَدِ عَلَى أَنَّ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ قَبِيلِ الْمَوْقُوفِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا قَوْلُ الصَّحَابِيِّ كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا وَكُنَّا نَقُولُ كَذَا إنْ لَمْ يُضَفْ إلَى زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمَوْقُوفِ.

وَإِنْ

<<  <  ج: ص:  >  >>