للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَأَمَّا الْمَعْنَى الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ صِيغَتِهِ فَهُوَ أَنَّهُ مُدْرَكٌ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَمُفَصَّلٌ مِنْ مَفَاصِلِهِ

ــ

[كشف الأسرار]

احْتِرَازًا عَنْ الْقِيَاسِ اللُّغَوِيِّ أَوْ الْعَقْلِيِّ، وَقَدْ يُسَمَّى أَيْ الْقِيَاسُ اجْتِهَادًا مَجَازًا بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ بِاجْتِهَادِ الْقَلْبِ أَيْ بِبَذْلِهِ مَجْهُودَهُ يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ.

وَذَكَرَ فِي الْقَوَاطِعِ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي الِاجْتِهَادِ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: الِاجْتِهَادُ وَالْقِيَاسُ وَاحِدٌ وَنَسَبَهُ إلَى الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَالَ أَشَارَ إلَيْهِ فِي كِتَابِ الرِّسَالَةِ.

وَأَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فَهُوَ أَنَّ الِاجْتِهَادَ أَعَمُّ مِنْ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَفْتَقِرُ إلَى الِاجْتِهَادِ، وَهُوَ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ وَلَيْسَ الِاجْتِهَادُ بِمُفْتَقِرٍ إلَى الْقِيَاسِ وَحَدُّهُ هُوَ بَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ بِقِيَاسٍ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: هُوَ طَلَبُ الصَّوَابِ بِالْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ وَالْقِيَاسُ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ قَالَ: وَلِهَذَا دَخَلَ فِي بَابِ الِاجْتِهَادِ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَتَرْتِيبُ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا بِقِيَاسٍ.

قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمَعْنَى الثَّابِتُ بِدَلَالَةِ صِيغَتِهِ فَهُوَ أَنَّهُ مُدْرَكٌ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيَّ لَمَّا كَانَ جَعْلُ الشَّيْءِ مِثْلًا لِآخَرَ وَمُسَاوِيًا لَهُ لَزِمَ أَنْ يُعْرَفَ بِهِ حُكْمُ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ إذَا صَارَ مُسَاوِيًا لِلْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي تَرَتَّبَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ يَثْبُتُ ذَلِكَ الْحُكْمُ فِيهِ لَا مَحَالَةَ فَكَانَ مَدْرَكًا مِنْ مَدَارِك أَحْكَامِ الشَّرْعِ أَيْ مَوْضِعَ دَرْكٍ وَالدَّرْكُ هُوَ الْعِلْمُ أَوْ فِي تَسْمِيَتِهِ مَدْرَكًا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ دَلِيلٌ يُوقَفُ بِهِ عَلَى الْحُكْمِ لَا أَنَّهُ مُثْبِتٌ لَهُ كَالدُّخَانِ يُوقَفُ بِهِ عَلَى وُجُودِ النَّارِ لَا أَنْ يَثْبُتَ وُجُودُهَا بِهِ وَمَفْصِلٌ مِنْ مَفَاصِلِهِ أَيْ مَوْضِعُ فَصْلٍ؛ فَإِنَّهُ يُفْصَلُ بِهِ الْخُصُومَةُ بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ أَيْ يُقْطَعُ كَمَا يُفْصَلُ بِغَيْرِهَا بَيْنَ الْحُجَجِ أَوْ يُفْصَلُ بِهِ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْجَوَازِ وَالْفَسَادِ كَمَا يُفْصَلُ بِسَائِرِ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَحْدِيدَ الْقِيَاسِ وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْأُصُولِيِّينَ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ هُوَ رَدُّ الْحُكْمِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ إلَى الْمَنْطُوقِ بِهِ، وَهُوَ فَاسِدٌ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَانِعٍ لِدُخُولِ دَلَالَةِ النَّصِّ فِيهِ وَهِيَ لَيْسَتْ بِقِيَاسٍ وَغَيْرَ جَامِعٍ لِخُرُوجِ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ عَنْهُ وَقِيلَ: هُوَ تَعْدِيَةُ حُكْمِ الْأَصْلِ بِعِلَّتِهِ إلَى فَرْعٍ هُوَ نَظِيرُهُ، وَهُوَ فَاسِدٌ أَيْضًا لِعَدَمِ اشْتِمَالِهِ عَلَى قِيَاسِ الْمَعْدُومِ عَلَى الْمَعْدُومِ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ وَالْفَرْعَ أَمْرَانِ وُجُودِيَّانِ إذْ الْأَصْلُ اسْمٌ لِمَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَالْفَرْعُ اسْمٌ لِمَا يُبْتَنَى عَلَى غَيْرِهِ وَالْمَعْدُومُ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَلِأَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ وَعِلَّتَهُ مِنْ أَوْصَافِهِ وَالِانْتِقَالُ عَلَى الْأَوْصَافِ لَا يَجُوزُ بَلْ الثَّابِتُ مِثْلُ حُكْمِ الْأَصْلِ بِمِثْلِ عِلَّتِهِ فِي الْفَرْعِ.

وَالْمَنْقُولُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ إبَانَةُ مِثْلِ حُكْمِ أَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ بِمِثْلِ عِلَّتِهِ فِي الْآخَرَ، وَاخْتَارَ لَفْظَ الْإِبَانَةِ دُونَ الْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ مُظْهِرٌ وَلَيْسَ بِمُثْبِتٍ بَلْ الْمُثْبِتُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَذِكْرُ مِثْلِ الْحُكْمِ وَمِثْلِ الْعِلَّةِ احْتِرَازٌ عَنْ لُزُومِ الْقَوْلِ بِانْتِقَالِ الْأَوْصَافِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ الْمِثْلِ يَلْزَمُ ذَلِكَ وَذِكْرُ لَفْظِ الْمَذْكُورَيْنِ لِيَشْتَمِلَ الْقِيَاسُ بَيْنَ الْمَوْجُودَيْنِ وَبَيْنَ الْمَعْدُومَيْنِ كَقِيَاسِ عَدِيمِ الْعَقْلِ بِسَبَبِ الْجُنُونِ عَلَى عَدِيمِ الْعَقْلِ بِسَبَبِ الصِّغَرِ فِي سُقُوطِ الْخِطَابِ عَنْهُ بِالْعَجْزِ عَنْ فَهْمِ الْخِطَابِ، وَأَدَاءِ الْوَاجِبِ وَمُخْتَارُ الْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيِّ وَالْغَزَالِيِّ وَعَامَّةِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إنَّهُ حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ فِي إثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا بِأَمْرٍ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا مِنْ إثْبَاتِ حُكْمٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ نَفْيِهِمَا عَنْهُمَا قَالَ الْغَزَالِيُّ وَإِنَّمَا قِيلَ: حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ لِيَشْمَلَ الْقِيَاسَ بَيْنَ الْمَعْدُومَيْنِ

<<  <  ج: ص:  >  >>