للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ليس المراد بسنَّة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته - صلى الله عليه وسلم -، لأنَّه من المعلوم من قواعد الشريعة أنَّه ليس لخليفة راشد أن يشرِّع. ونقل الأحوذي هذا الرأي أيضاً عن سبل السلام لتأكيد رأيه (١).

وهذا القول من الأحوذي والصنعاني غير سديد، فكأنهما بهذا التفسير لا يقولان بوجود سنَّة مستقلة للخلفاء الراشدين، وهذا لا يصح فالعطف يقتضي المغايرة كما هو معلوم، فسنَّة الخلفاء تختلف عن سنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلا لما كان للحديث معنى، فما سنَّهُ الخلفاءُ أو أحدُهم، ولم يكن على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يشمله كلامهم، لأنَّه ليس فيه سنَّة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يسمى فعل الصحابي عندها تشريعاً بالمعنى المطلق، بل هو اجتهاد في تطبيق الشرع، ويؤيد هذا الفهمَ حديثُ علي - رضي الله عنه - الذي ذكر فيه أنه جلد في حد الخمر أربعين وقال للجلاد: «أمسك. ثم قال: جلد النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أربعين، وأبو بكر - رضي الله عنه - أربعين، وعمر - رضي الله عنه - ثمانين، وكلٌ سنَّة وهذا أحب إلي» (٢). فقد صرَّح علي - رضي الله عنه - أنَّ هذا الفعل من عمر - رضي الله عنه - يسمى سنَّة، وليس كما قال الصنعاني في سبل السلام أنَّ وصف عمر لفعله في تجميع الصحابة على التراويح بأنَّه بدعة، إقرارٌ منه أنَّها ليست سنَّة، بل المراد أنَّها طريقة لم تكن على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا تعني أنَّها غير شرعية، ويؤكد هذا النووي بقوله: إن فعل الصحابي سنَّة يعمل بها، وهو موافق لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» (٣). اهـ

فأما عملهم بسنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا ينسب لهم وإنَّما إلى النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، وأمَّا اجتهادهم عند عدم الدليل فهو الذي يقال فيه سنَّة الخلفاء الراشدين، وسبقت الإشارة إلى أنَّ اجتهاداتهم اختلفت فيما بينها، فإمَّا أن نتخير من اجتهاداتهم ما يناسب عصرنا فنتبع سنَّة أبي بكر أو سنَّة عمر أو سنَّة عثمان أو سنَّة علي - رضي الله عنهم -، ولا نخرج بذلك عن دلالة حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وتكون فائدة الحديث عندها دفع ما قد يتردد في بعض ..................................................................................


(١) تحفة الأحوذي: ٣/ ٤٠ عند شرح حديث أذان الجمعة.
(٢) صحيح مسلم: ٣/ ١٣٣١ كتاب الحدود، باب حد الخمر رقم (١٧٠٦) عن أنس بن مالك. مسند أحمد: من مسند علي - رضي الله عنه - ٢/ ٥٨ رقم (٦٢٤) و: ٢/ ٣٧٣ رقم (١١٨٤) و: ٢/ ٣٩٥ رقم (١٢٣٠) و: ٢/ ٣٧٣ رقم (١١٨٤) و: ٢/ ٣٩٥ رقم (١٢٣٠) قال محقق الكتاب: إسناده صحيح على شرط مسلم.
(٣) انظر شرح النووي على صحيح مسلم: ١١/ ٢١٧ عند حديث: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين .. ».

<<  <   >  >>