للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

لا شريك له, وكانت السيادة في أول نشأتها محدودة بجهة واحدة ممثَّلة في شخص رئيس الدولة, إلّا أنها تطوَّرت بعد ذلك على أيدي الكثير من الفلاسفة والمفكرين لتصبح السيادة هي القوة العليا المهيمنة على الدولة, والتي بيدها صلاحية التغيير والتبديل للقوانين على كل الأفراد المقيمين على إقليم الدولة, وهي لا تتقيد بقانون, بل القانون مصدره السيادة وإرادة أصحابها الذين يتألَّفون من الدولة بجميع أعضائها الذين لا حدَّ لتصرفاتهم, ولا يستطيع أحد أن يحكم عليهم, ولا يتقيدون برأي أحد وإلا لانتفت عنهم صفة السيادة المطلقة, وهذه صفة ثانية في السيادة, فهي تريد أن تكون صاحبة الأمر كله, الحائزة على التفوق المطلق دون أن يكون لها معارض, أو دون أن تكون لها حاجة إلى الخضوع لأحد؛ إذ لو خضعت لأحد لانتفت هذه السيادة, ولو وجد لها مشارك لانتفت أيضًا؛ كأن تكون السيادة مثلًا لجماعة على إقليم أو أكثر, فلو وجد على أحد الأقاليم سيادتان أو أكثر لانتفت السيادة ولحصل الفساد وعدم انتظام الأمور فيه؛ إذ لو تعارضت السيادتان على ذلك الأقليم؛ بحيث تريد أحداهما فعل أمر والأخرى لا تريده, أو تريد ضدَّه؛ فحينئذ إمَّا أن تنفَّذ إرادة السيادتان معًا وهذا محال, وإما أن يمتنع أمرهما معًا وهذا فيه إبطال لسيادتهما معًا, وإما إنفاذ سيادة أحداهما وترك الأخرى, فتكون النافذة هي صاحبة السيادة١، وعلى هذا, فالسيادة هي صاحبة الأمر والنهي والقوة والحكم النافذ, وفوق هذا فقد دعوا لها العصمة من الخطأ باعتبار أن إرادة الأمَّة أو ممثليها من الشعب حكمهم يكون هو الحق والعدل, الذي لا ينبغي أن يقف في طريقه أيّ اعتبار, وهذه حيلة كان الجميع يتظاهرون بها.


١ انظر نظرية السيادة ص١٢-١٣.

<<  <   >  >>