للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[السؤال بذوات المخلوقين]

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد نهى عنه غير واحد من العلماء وقالوا: إنه لا يجوز، ورخّص فيه بعضهم، والأول أرجح كما تقدم، وهو سؤال بسبب لا يقتضي حصول المطلوب، بخلاف من كان طالباً بالسبب المقتضي لحصول المطلوب، كالطلب منه سبحانه بدعاء الصالحين، وبالأعمال الصالحة، فهذا جائز؛ لأن دعاء الصالحين سبب لحصول مطلوبنا الذي دعوا به، وكذلك الأعمال الصالحة سبب لثواب الله لنا، وإذا توسلنا بدعائهم وأعمالنا كنا متوسلين إليه تعالى بوسيلة، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة:٣٥]، والوسيلة هي الأعمال الصالحة، وقال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} [الإسراء:٥٧]].

إذاً: النتيجة والفائدة من هذا المقطع هو أن الشيخ يقول: إن السؤال بمجرد ذوات الأنبياء أو الأشياء أو الأشخاص أو الأحوال أو الهيئات أو الأزمنة، يعني السؤال بالأشياء المخلوقة لا يجوز، ولا يحصل به المطلوب لا شرعاً ولا قدراً، فالله عز وجل لم يشرع لنا أن نحصّل الفائدة والمنافع بالسؤال بالأشياء لا بذات الأنبياء ولا بغيرهم.

وأيضاً: لم يجعل من أقداره عز وجل أن تكون هذه الوسائل سبباً لحصول المطلوب، لا نعرف أن من أقدار الله أن السؤال بذوات الأنبياء يحصل به المطلوب، لكن يحصل المطلوب بسبب آخر، فقد يبتلي الله عز وجل بعض الذين يقعون في هذه الشركيات فتحصل لهم مطالبهم لا لأن الذات التي سألوا بها هي السبب، إنما السبب أمر آخر كأن يسلّط الله عليهم الجن والشياطين فيحققون لهم رغباتهم، ويظنون أن الذي حقق رغبته وأن السبب هو هذا الميت أو هذا المسئول به، وهذا خطأ.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما إذا لم نتوسل إليه سبحانه بدعائهم ولا بأعمالنا، ولكن توسلنا بنفس ذواتهم لم تكن نفس ذواتهم سبباً يقتضي إجابة دعائنا].

يعني لم يكن سبباً لا قدراً ولا شرعاً.

قال رحمه الله تعالى: [فكنا متوسلين بغير وسيلة؛ ولهذا لم يكن هذا منقولاً عن النبي صلى الله عليه وسلم نقلاً صحيحاً، ولا مشهوراً عن السلف.

وقد نُقِل في منسك المروذي عن أحمد دعاء فيه سؤال بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا قد يخرج على إحدى الروايتين عنه في جواز القسم به، وأكثر العلماء على النهي في الأمرين].

تلاحظون تعبير الشيخ عما روي عن الإمام أحمد أنه يورده بصيغة التضعيف: (نُقل في منسك المروذي).

وأيضاً منسك المروذي الله أعلم هل تصح النسبة فيه للإمام أحمد أو لا تصح، والغالب في مثل هذه الأمور أنها لا تصح عن الإمام أحمد؛ لكنها إما أن تخرّج على قوله أو تكون وهماً من الرواة أو الله أعلم كيف دخلت؛ لأن الإمام أحمد رحمه الله واضح المنهج في مثل هذه الأمور، ومنهجه قوي في الاستمساك بالسنة.

ثم إن ثروة الإمام أحمد رحمه الله من النصوص تجعلنا نثق أنه لا يقول بمثل هذه الأمور؛ لأن الإمام أحمد كما تعلمون من الأئمة الذين استوعبوا أكثر السنة، وربما يكون استوعب كل ما روي في وقته إلا النادر؛ لأنه كان يحفظ مليون حديث، استخرج منها المسند الذي هو فوق أربعين ألف حديث.

فيندر أن يقع هذا الإمام الذي عُرف باستمساكه بالسنة وعنده هذه الثروة من النصوص في مثل هذه الأمور؛ لأن النصوص صريحة ومتكاثرة في منعها، وقد يكون هناك وجه آخر بعيد في تخريج أقواله من قبل تلاميذه، والله أعلم.