للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أن العقل يدرك حسن وقبح بعض الأفعال، فيدرك قبح الظلم، وهتك الأعراض، ويدرك حسن العدل وكمال الأخلاق. ويؤيد ذلك الفطرة السليمة، فالعقل والفِطر السليمة تدركان قبح وحسن الأفعال قبل ورود الشرع؛ وذلك أن القبح والحسن في الأشياء ذاتيان. وهم بهذا يوافقون المعتزلة من هذه الجهة، ويخالفونهم من جهة ترتب الثواب والعقاب على ما يدرك العقل حسنه أو قبحه قبل ورود الشرع.

وأن العقل حين يدرك حسن وقبح الأفعال، فإنه لا يرتب عليها حكما إلا بعد ورود الشرع، وهم بهذا يوافقون الأشاعرة من هذه الجهة، ويخالفونهم من جهة إنكارهم أن تكون الأفعال حسنة أو قبيحة بذاتها قبل ورود الشرع، وهذا القول قال به الماتريدية، وهو القول الصحيح الذي عليه أهل السنة والجماعة.

وبعد هذا العرض الموجز لهذه المسألة، نبرز رأي الإمام السمعاني فيها، ومع من يميل؟

فالسمعاني قرر رأيه في هذه المسألة، متماشيا مع تقرير المذهب الأشعري، مع أنه بعيد كل البعد عن المنهج الأشعري في التقعيد والتأصيل، لكن لما كان مناكفا في هذه المسألة للمعتزلة في قولهم: إن العقل يدرك قبح وحسن الأفعال ويرتب عليها العقاب والثواب، ذهب إلى مخالفة قولهم على التمام؛ بأن العقل ليس له حظ من التقبيح والتحسين إلا ما ورد به الشرع، ومن أقواله في هذه المسألة:

-قوله عند تفسير قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) الإسراء ١٥:هذا دليل على أن ما وجب، وجب بالسمع لا بالعقل؛ فإن الله نص أنه لا يعذب أحدا حتى يبعث رسولا (١).

-وقوله في كتابه الانتصار: اعلم أن مذهب أهل السنة، أن العقل لا يوجب شيئا على أحد، ولا يرفع شيئا عنه، ولا حظ له في تحليل ولا تحريم، ولا تحسين ولا تقبيح، ولو لم يرد السمع، ما وجب على أحد شيء، ولا دخلوا في ثواب ولا عقاب (٢).


(١) - السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٢٦
(٢) - السمعاني: الانتصار: ٧٥

<<  <   >  >>