للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

روابطها الداخلية لتضيع في محيط‍ البشرية الواسع؟ على العكس إذ نجد أن مبدأين أساسيين يذكرانها بكل قوة بدورها كجماعة متميزة ومتماسكة:

الأول: يدعو المؤمنين بأن يكونوا جماعة موحدة لا تنقسم، بدون فرقة أو إنشقاق، تلتف حول مثل أعلى وحول رئيسها (١). ومع ذلك فقد بدا لبعض المستشرقين أن يصوروا المسلم على أنه ذو نزعة «فردية لا تقاوم»، لم يعرف معنى «رباط‍ التضامن» في يوم من الأيام (٢). «إن الدين الإسلامي، كما يقول أحد المستشرقين، يحترم النزعة الفردية ويقدسها، ولا يعرف معنى اندماج النفوس وتلاشيها في تنظيم كبير: فليست الأعمال الجماعية مثل صلاة الجمعة، ووقفة عرفات، وصلاة الأعياد، إلا أعمالا فردية يؤديها المؤمنون في وقت واحد، ومكان واحد، دون أن تتخذ طابع الاحتفالات الموجهة أو المنظمة وفق تنسيق خاص (٣).

وسوف يلاحظ‍ أي إنسان يحضر صلاة الجماعة للمسلمين، أن هذا القول لا أساس له من الصحة، وسوف لا يرى المؤمنين مبعثرين في غير نظام يصلى كل واحد من أجل نفسه أو يحضر كمشاهد، بينما إمامهم يؤدي وحده جوهر الفريضة الدينية. وإنما سوف يرى المؤمنين مصطفين في نظام جميل، متلاصقين كتفا إلى كتف، الغني بجانب الفقير، والرئيس بجوار مرؤوسه، في وضع واحد، واتجاه واحد، ودعاء واحد، كل منهم يدعو للجميع: {إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ * اِهْدِنَا الصِّراطَ‍ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة ٥ - ٦] إنهم جميعا يطلبون النجاة والفلاح، ليس فقط‍ لمجموعة المصلين وإنما لجميع عباد الله الصالحين أينما كانوا: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» إن هذا التوافق في المظهر لا يعدو أن يكون وسيلة لتأليف


(١) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران: ١٠٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ... [النساء: ٥٩] وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا [الأنفال: ٤٦].
(٢) انظر «أخلاق وعادات المسلمين» تأليف جوتييه، ص ٢١٦.
(٣) انظر «الإسلام» في مجموعة «التاريخ والمؤرخين» تأليف جودفروا ديمو مبين ص ٧٣٩.

<<  <   >  >>