للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَهَذَا الْقِسْمُ يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ بِمَنْزِلَةِ الْعِيَانِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَنْكَرَ الْعِلْمَ، بِطَرِيقِ الْخَبَرِ أَصْلًا، وَهَذَا رَجُلٌ سَفِيهٌ لَمْ يَعْرِفْ نَفْسَهُ، وَلَا دِينَهُ، وَلَا دُنْيَاهُ وَلَا أُمَّهُ، وَلَا أَبَاهُ مِثْلُ مَنْ أَنْكَرَ الْعِيَانَ، وَقَالَ قَوْمٌ إنَّ الْمُتَوَاتِرَ يُوجِبُ عِلْمَ طُمَأْنِينَةٍ لَا يَقِينٍ

ــ

[كشف الأسرار]

وَالْمَذْكُورُ فِي التَّقْوِيمِ، وَمَتَى ارْتَفَعَتْ الشُّبْهَةُ ضَاهَى الْمُتَّصِلَ مِنْهُ بِكَ بِحَاسَّةِ سَمْعِك.، وَلَوْ قِيلَ كَالْمُعَايَنِ وَالْمَسْمُوعِ لَكَانَ أَحْسَنَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ لَفْظَ الْمُعَايَنِ؛ لِأَنَّ سَمَاعَ الْكَلَامِ مَعَ مُعَايَنَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَالنَّظَرِ إلَى وَجْهِهِ أَقْرَبُ إلَى الْفَهْمِ مِنْ السَّمَاعِ بِدُونِ مُعَايَنَتِهِ، وَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يَصِفَ الْمُتَكَلِّمَ بِالْمُعَايَنِ دُونَ الْكَلَامِ إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ حَرَكَةَ الشَّفَةِ الَّتِي تُدْرَكُ بِالْبَصَرِ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ فَيَصِحُّ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَصْفُ الْكَلَامِ بِكَوْنِهِ مُعَايَنًا كَمَا يَصِحُّ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ مَسْمُوعًا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِثْلَ أُرُوشِ الْجِنَايَاتِ، وَأَعْدَادِ الطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ.

قَوْلُهُ (وَهَذَا الْقِسْمُ) وَلَمَّا بَيَّنَ تَفْسِيرَ الْمُتَوَاتِرِ وَشُرُوطَهُ شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِهِ فَقَالَ، وَهَذَا الْقِسْمُ أَيْ الْمُتَوَاتِرُ مِنْ الْأَخْبَارِ يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ بِمَنْزِلَةِ الْعِيَانِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا. وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُقَلَاءِ وَذَهَبَتْ السُّمَنِيَّةُ، وَهُمْ قَوْمٌ مِنْ عَبَدَةِ الْأَصْنَامِ. وَالْبَرَاهِمَةُ، وَهُمْ قَوْمٌ مِنْ مُنْكِرِي الرِّسَالَةِ بِأَرْضِ الْهِنْدِ إلَى أَنَّ الْخَبَرَ لَا يَكُونُ حُجَّةً أَصْلًا، وَلَا يَقَعُ الْعِلْمُ بِهِ بِوَجْهٍ لَا عِلْمَ يَقِينٍ، وَلَا عِلْمَ طُمَأْنِينَةٍ بَلْ يُوجِبُ ظَنًّا. وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ الْمُتَوَاتِرَ يُوجِبُ عِلْمَ طُمَأْنِينَةٍ لَا عِلْمَ يَقِينٍ وَيُرِيدُونَ بِهِ أَنَّ جَانِبَ الصِّدْقِ يَتَرَجَّحُ فِيهِ بِحَيْثُ تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ الْقُلُوبُ مِثْلَ مَا يَثْبُتُ بِالدَّلِيلِ الظَّاهِرِ، وَلَكِنْ لَا يَنْتَفِي عَنْهُ تَوَهُّمُ الْكَذِبِ وَالْغَلَطِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّ الطُّمَأْنِينَةَ أَقْرَبُ إلَى الْيَقِينِ مِنْ الظَّنِّ وَلِهَذَا كَانَ مُتَمَسَّكُ الْفَرِيقَيْنِ وَاحِدًا، ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ يُوجِبُ الْيَقِينَ اخْتَلَفُوا فَذَهَبَ عَامَّتُهُمْ إلَى أَنَّهُ يُوجِبُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا. وَذَهَبَ أَبُو الْقَاسِمِ الْكَعْبِيُّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَبُو بَكْرٍ الدَّقَّاقُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّهُ يُوجِبُ عِلْمًا اسْتِدْلَالِيًّا وَسَنُبَيِّنُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (وَهَذَا) أَيْ مَنْ أَنْكَرَ حُصُولَ الْعِلْمِ بِالْخَبَرِ أَصْلًا رَجُلٌ سَفِيهٌ، وَهُوَ الَّذِي يَشْتَغِلُ بِمَا لَيْسَ لَهُ عَاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ وَيَلْحَقُهُ ضَرَرُ ذَلِكَ. لَمْ يَعْرِفْ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ كَوْنِهِ مَخْلُوقًا مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ لَا تَثْبُتُ لَهُ إلَّا بِالْخَبَرِ فَإِذَا أَنْكَرَ كَوْنَ الْخَبَرِ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ لَا يَحْصُلُ لَهُ مَعْرِفَةُ نَفْسِهِ. وَلَا يُقَالُ لَعَلَّ مَعْرِفَةَ كَوْنِهَا مَخْلُوقَةً مِنْ الْمَاءِ حَصَلَتْ بِالِاسْتِدْلَالِ بِالْوَلَدِ فَإِنَّهُ لَمَّا عَايَنَهُ أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ الْمَاءِ اعْتَبَرَ وُجُودَ نَفْسِهِ بِهِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إنْكَارِ الْخَبَرِ عَدَمُ مَعْرِفَةِ النَّفْسِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ مَآلُ ذَلِكَ إلَى الْخَبَرِ أَيْضًا فَإِنَّ كَوْنَهُ مَخْلُوقًا مِنْ الْمَاءِ لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ، وَلَا مَعْقُولٍ إذْ الْفِعْلُ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ ثَابِتٌ بِالْخَبَرِ، وَلَا دِينِهِ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَتِهِ الْخَبَرُ وَالسَّمَاعُ أَيْضًا خُصُوصًا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْأَحْكَامِ، وَلَا دُنْيَاهُ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْأَغْذِيَةِ وَالْأَدْوِيَةِ تَحْصُلُ بِالْخَبَرِ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَا هُوَ مُهْلِكٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ نَافِعٌ وَالْعَقْلُ لَا يُطِقْ التَّجْرِبَةَ لِاحْتِمَالِ الْهَلَاكِ، وَكَذَا مَعْرِفَةُ الْأَبِ وَالْأُمِّ تَحْصُلُ بِالْخَبَرِ؛ لِأَنَّ التَّرْبِيَةَ وَالْقِيَامَ بِأُمُورِهِ يَحْصُلُ مِنْ الْمُلْتَقِطَةِ وَالظِّئْرِ كَمَا يَحْصُلُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ثُمَّ كُلُّ أَحَدٍ يَجِدُ نَفْسَهُ سَاكِنَةً بِمَعْرِفَةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَتَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِهَا قَطْعًا بِالْخَبَرِ بِمَنْزِلَةِ الْعِلْمِ الْحَاصِلِ لَهُ بِالْعِيَانِ وَالْمُشَاهَدَةِ فَكَانَ مُنْكِرُهُ كَالْمُنْكِرِ لِلْمُشَاهَدَاتِ مِنْ السُّوفِسْطَائِيَّة فَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُكَالَمَةَ.

قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَكُونُ الْكَلَامُ مَعَ هَذَا الْمُنْكِرِ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِجَاجِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ، وَمَا ثَبَتَ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْعِلْمِ دُونَ مَا يَثْبُتُ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا وَالِاسْتِدْلَالُ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ مَعَهُ مِنْ حَيْثُ التَّقْرِيرُ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ بِمَا لَا يَشُكُّ هُوَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ فِي أَنَّهُ مُكَابَرَةٌ وَجَحْدٌ لِمَا يُعْلَمُ اضْطِرَارًا بِمَنْزِلَةِ اللَّازِمِ مَعَ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لِلْأَشْيَاءِ الْمَحْسُوسَةِ. فَنَقُولُ إذَا رَجَعَ الْمَرْءُ إلَى نَفْسِهِ عَلِمَ أَنَّهُ مَوْلُودٌ اضْطِرَارًا بِالْخَبَرِ كَمَا عَلِمَ أَنَّ وَلَدَهُ مَوْلُودٌ بِالْمُعَايَنَةِ.

وَعَلِمَ أَنَّ أَبَوَيْهِ كَانَا مِنْ جِنْسِهِ بِالْخَبَرِ كَمَا عَلِمَ أَنَّ أَوْلَادَهُ مِنْ جِنْسِهِ بِالْعِيَانِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا ثُمَّ شَابَ

<<  <  ج: ص:  >  >>