للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَالتَّوَجُّهُ لَا يَجِبُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا وَلِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ قِبَلَ الْكَعْبَةِ أَيْ وَجْهَهَا وَقَالَ هَذِهِ الْقِبْلَةُ» مَعَ خَبَرِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ إجْمَاعًا

ــ

[حاشية الجمل]

أَنَّ إطْلَاقَ الْجِهَةِ فِي مُقَابِلِ الْعَيْنِ إنَّمَا هُوَ اصْطِلَاحُ طَائِفَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَأَمَّا بِحَسَبِ أَصْلِ اللُّغَةِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ مَنْ انْحَرَفَ عَنْ مُقَابَلَةِ شَيْءٍ فَلَيْسَ مُتَوَجِّهًا نَحْوَهُ وَلَا إلَى جِهَتِهِ بِحَسَبِ حَقِيقَةِ اللُّغَةِ، وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ بِمُسَامَحَةٍ أَوْ اصْطِلَاحٍ وَالشَّافِعِيُّ لَاحَظَ حَقِيقَةَ اللُّغَةِ وَحَكَمَ بِالْآيَةِ أَنَّ الْوَاجِبَ أَصَالَةُ الْعَيْنِ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُعَدُّ عُرْفًا أَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ كَمَا حَقَّقَهُ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ اهـ سم اهـ ع ش عَلَى م ر وَبِهَامِشِهِ مَنْسُوبًا لَهُ وَجَدُّهُ هُوَ السَّيِّدُ مُعِينُ الدَّيْنِ صَاحِبُ التَّفْسِيرِ الْمَشْهُورِ اهـ.

وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ تُطْلَقُ الْجِهَةُ عَلَى الْعَيْنِ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا نَقَلَهُ الشِّهَابُ فِي الْحَوَاشِي فَلْيُرَاجَعْ وَفِي الْخَادِمِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْعَيْنِ الْجِدَارَ بَلْ أَمْرٌ اصْطِلَاحِيٌّ وَهُوَ سَمْتُ الْبَيْتِ وَهَوَاؤُهُ إلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالْأَرْضِ السَّابِعَةِ اهـ حَجّ انْتَهَتْ.

(قَوْلُهُ: وَالتَّوَجُّهُ لَا يَجِبُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ إلَخْ) مِنْ تَمَامِ الدَّلِيلِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَحْتَاجُ إلَى هَذِهِ الضَّمِيمَةِ؛ لِأَنَّ سِيَاقَ الْآيَةِ فِي الصَّلَاةِ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ: قُبُلَ الْكَعْبَةِ) بِضَمِّ الْقَافِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ الرِّوَايَةُ وَيَجُوزُ إسْكَانُ الْبَاءِ مَعَ ضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرُ الْقَافِ مَعَ فَتْحِ الْبَاءِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} [البقرة: ١٧٧] قَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهَا مُقَابِلَهَا وَبَعْضُهُمْ مَا اسْتَقْبَلَك مِنْهَا أَيْ وَجْهُهَا. وَسُمِّيَتْ كَعْبَةً لِتَكَعُّبِهَا أَيْ تَرَبُّعِهَا وَارْتِفَاعُهَا يُقَالُ كَعَّبْته أَيْ رَبَّعْته وَقِيلَ لِاسْتِدَارَتِهَا وَيُقَالُ لَهَا الْبَيْتُ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ وَيُقَال لَهَا أَيْضًا لَيْلَى، وَاخْتُلِفَ فِي عَدَدِ مَرَّاتِ بِنَائِهَا وَغَايَتُهُ وِفَاقًا وَخِلَافًا عَشْرُ مَرَّاتٍ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَحَلِّهِ وَكَانَتْ الْكَعْبَةُ قِبْلَةَ آبَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ كَانُوا يُصَلُّونَ إلَيْهَا فَكَانَ يَسْتَقْبِلُهَا وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ قِبْلَةُ الْأَنْبِيَاءِ الْمُرَادُ بِهِ مَأْوَاهُمْ لَا قِبْلَتُهُمْ ثُمَّ «أَمَرَ بِاسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَاسْتَقْبَلَهُ ثَلَاثَ سِنِينَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَكَانَ يَجْعَلُ الْكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَيَقِفُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ فَلَمَّا هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ اسْتَدْبَرَهَا لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ فَشَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَسَأَلَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ التَّحَوُّلَ إلَيْهَا فَسَأَلَهُ ثُمَّ نَزَلَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: ١٤٤] وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ فَتَحَوَّلَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ إلَيْهَا» وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ إنَّ أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا إلَى الْكَعْبَةِ الْعَصْرُ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَامِلَةِ وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ سَابِعَ عَشَرَ رَجَبَ وَقِيلَ نِصْفَهُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِسِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ وَقِيلَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِشَهْرَيْنِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ اهـ بِرْمَاوِيٌّ.

وَمِثْلُهُ شَرْحُ م ر وَلَمْ يُبَيِّنُوا مَا فَعَلَتْهُ الصَّحَابَةُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ هَلْ تَحَوَّلُوا بِأَمْكِنَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَأَخُّرٍ أَمْ تَأَخَّرُوا أَمْ كَيْفَ الْحَالُ ثُمَّ رَأَيْت فِي السِّيرَةِ الشَّامِيَّةِ فِي مَبْحَثِ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مَا نَصُّهُ فَاسْتَدَارُوا إلَى الْكَعْبَةِ فَتَحَوَّلَ النِّسَاءُ مَكَانَ الرِّجَالِ وَالرِّجَالُ مَكَانَ النِّسَاءِ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ تَحَوَّلَ مِنْ مَقَامِهِ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ إلَى مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ مَنْ اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ بِالْمَدِينَةِ فَقَدْ اسْتَدْبَرَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَهُوَ لَوْ دَارَ مَكَانَهُ لَمْ يَكُنْ خَلْفَهُ مَكَانٌ يَسَعُ الصُّفُوفَ فَلَمَّا تَحَوَّلَ الْإِمَامُ تَحَوَّلَتْ الرِّجَالُ حَتَّى صَارُوا خَلْفَهُ وَتَحَوَّلَتْ النِّسَاءُ حَتَّى صَارُوا خَلْفَ الرِّجَالِ وَهَذَا يَسْتَدْعِي عَمَلًا كَثِيرًا فِي الصَّلَاةِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ كَمَا كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ أَيْ كَالْحُكْمِ الَّذِي كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِهِ وَهُوَ إبَاحَتُهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اُغْتُفِرَ الْعَمَلُ الْمَذْكُورُ لِأَجْلِ الْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ أَوْ لَمْ تَتَوَالَ الْخُطَى عِنْدَ التَّحَوُّلِ بَلْ وَقَعَتْ مُتَفَرِّقَةً اهـ ع ش عَلَى م ر وَنَظَّمَ شَيْخُنَا الْمَدَابِغِيُّ عَدَدَ مَرَّاتِ الْبِنَاءِ فَقَالَ

بَنَى بَيْتَ رَبِّ الْعَرْشِ عَشْرٌ فَخُذْهُمُو ... مَلَائِكَةُ اللَّهِ الْكِرَامُ وَآدَمُ

وَشِيثُ وَإِبْرَاهِيمُ ثُمَّ عَمَالِقُ ... قُصَيٌّ قُرَيْشٌ قَبْلَ هَذَيْنِ جُرْهُمُ

وَعَبْدُ الْإِلَهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بَنَى كَذَا ... بِنَاءٌ لِحَجَّاجٍ وَهَذَا مُتَمِّمٌ

وَقَوْلُهُ عَشْرُ مَرَّاتٍ هَذَا بِحَسَبِ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَقَدْ ثَبَتَ مَرَّةً أُخْرَى حَادِيَةَ عَشْرَةَ عَامَ أَلْفٍ وَتِسْعٍ وَثَلَاثِينَ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَلَّانَ الْمَكِّيُّ فِي رِسَالَةٍ لَهُ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَسَيَأْتِي نَقْلُ عِبَارَتِهِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ.

(قَوْلُهُ: مَعَ خَبَرِ صَلُّوا إلَخْ) أَتَى بِهَذَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ هَذِهِ الْقِبْلَةُ لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِقْبَالِ وَأَيْضًا يَحْتَمِلُ الْخُصُوصِيَّةَ اهـ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ: فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ إجْمَاعًا) ، فَإِنْ قِيلَ حَيْثُ أُرِيدَ بِالْجِهَةِ الْعَيْنُ يَشْكُلُ قَوْلُهُ إجْمَاعًا قُلْت الْمُرَادُ بِالْقِبْلَةِ الَّتِي هِيَ مَرْجِعُ

<<  <  ج: ص:  >  >>