للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

لومة لائم، وعلى نصرة الرسول صلّى الله عليه وسلّم إذا قدم عليهم المدينة فيمنعونه مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم، وعلى نهكة الأموال، وقتل الأشراف. قالوا: فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك؟ قال صلّى الله عليه وسلم: «الجنة» ، قالوا:

ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل «١» .

وبهذا البناء كانت الهجرة، الحدث التاريخي الفريد، والرحلة الأرضية الكبرى، بعد الإسراء والمعراج الرحلة الكونية والعلوية العظمى.

وظهرت في الهجرة البطولات الفريدة من كل لون في مستوى غامر، أظهرت عمق إيمانهم، وشدة حبهم، وشمول فدائهم. ولم يكن أحدهم يخشى على نفسه أو غيره إلا مستقبل الإسلام، وحماية رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ومن هنا لم يبال أحدهم بشيء.

واستغرقت مراحل الهجرة حوالي ثلاثة شهور، هاجر في نهايتها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي بكى من الفرح، وعن ذلك تقول عائشة- رضي الله عنها-: (فو الله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ) «٢» .

انطلق صلّى الله عليه وسلّم مستخفيا ومستبقيا عليّا رضي الله عنه في فراشه؛ لتطمئن قريش وفتيانها الأربعون المحيطون بالدار ليقتلوه، ببقاء الرسول صلّى الله عليه وسلّم فيه، في الدار- ولكي يعيد الأمانات إلى أهلها «٣» ، وهو الأولى والأهم، وهذا أمر عجيب. ولعل هذا هو السبب الوحيد تماما لإبقائه، وما عداه كان من بركات هذه الدعوة الكريمة، ورعاية الله تعالى لها.

[* عجائب الإسلام وفرائده:]

وهذا أمر غريب وعجيب: في سلّم التعجب والإعجاب وفرائد


(١) التفسير (١/ ٣٠، ٣/ ١٥٧١- ١٥٧٢، ٦/ ٣٥٦٠) . مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٤٠) .
(٢) سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٥) . سبل الهدى والرشاد (٣/ ٣٣٦- ٣٣٧) .
(٣) سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٥) . سبل الهدى والرشاد (٣/ ٣٣٨) .

<<  <   >  >>