للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْك لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إلَى قَوْلِهِ وَرَسُولُهُ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْحَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ» وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ عَلَيْهِ بَعْدَهُ إلَى الْمُتَطَهِّرِينَ وَرَوَى الْحَاكِمُ الْبَاقِيَ وَصَحَّحَهُ وَلَفْظُهُ «مَنْ تَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ» إلَخْ كُتِبَ بِرَقٍّ أَيْ فِيهِ كَمَا وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ، ثُمَّ طُبِعَ بِطَابَعٍ فَلَمْ يُكْسَرْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَيْ لَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ إبْطَالٌ وَالطَّابَعُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا الْخَاتَمُ وَوَاوُ وَبِحَمْدِكَ زَائِدَةٌ فَسُبْحَانَكَ مَعَ ذَلِكَ جُمْلَةٌ

ــ

[حاشية الجمل]

الْمُتَطَهِّرِينَ مِنْ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ فَيَكُونُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ طَهَارَةَ الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ لَمَّا كَانَتْ بِيَدِنَا طَهَّرْنَاهَا، وَأَمَّا طَهَارَةُ الْأَعْضَاءِ الْبَاطِنَةِ فَإِنَّمَا هِيَ بِيَدِكَ فَأَنْتَ طَهِّرْهَا بِفَضْلِكَ اهـ مُلَّا عَلِيٌّ قَارِي عَلَى الْمِشْكَاةِ. (قَوْلُهُ: أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْك) .

(تَنْبِيهٌ) : مَعْنَى أَسْتَغْفِرُكَ أَطْلُبُ مِنْك الْمَغْفِرَةَ أَيْ سَتْرَ مَا صَدَرَ مِنِّي مِنْ نَقْصٍ تَمْحُوهُ فَهِيَ لَا تَسْتَدْعِي سَبْقَ ذَنْبٍ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ نَدْبُ وَأَتُوبُ إلَيْك وَلَوْ لِغَيْرِ مُتَلَبِّسٍ بِالتَّوْبَةِ وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ كَذِبٌ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْإِنْشَاءِ - أَيْ أَسْأَلُك أَنْ تَتُوبَ عَلَيَّ -، أَوْ بَاقٍ عَلَى خَبَرِيَّتِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ بِصُورَةِ التَّائِبِ الْخَاضِعِ الذَّلِيلِ وَيَأْتِي فِي وَجَّهْتُ وَجْهِي وَخَشَعَ لَك سَمْعِي مَا يُوَافِقُ بَعْضَ ذَلِكَ اهـ حَجّ. (فَائِدَةٌ) :

مَنْ قَرَأَ فِي إثْرِ وُضُوئِهِ إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً كَانَ مِنْ الصِّدِّيقِينَ وَمَنْ قَرَأَهَا مَرَّتَيْنِ كُتِبَ فِي دِيوَانِ الشُّهَدَاءِ وَمَنْ قَرَأَهَا ثَلَاثًا حَشَرَهُ اللَّهُ مَحْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ اهـ مِنْ مَجْمُوعِ الْفَائِقِ مِنْ حَدِيثِ خَيْرِ الْخَلَائِقِ لِلْمُنَاوِيِّ، ثُمَّ رَأَيْت فِي حَجّ هُنَا مَا نَصُّهُ وَيُسَنُّ أَنْ يَقُولَ عَقِبَهُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَيَقْرَأَ إنَّا أَنْزَلْنَاهُ أَيْ ثَلَاثًا كَمَا هُوَ الْقِيَاسُ ثُمَّ رَأَيْتُ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ صَرَّحَ بِذَلِكَ وَيُسَنُّ بَعْدَ قِرَاءَةِ السُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي وَوَسِّعْ لِي فِي دَارِي وَبَارِكْ لِي فِي رِزْقِي وَلَا تَفْتِنِّي بِمَا زَوَيْتَ عَنِّي اهـ سُيُوطِيٌّ فِي بَعْضِ مُؤَلَّفَاتِهِ اهـ ع ش عَلَى م ر.

وَفِي ق ل عَلَى الْمَحَلِّيِّ قَوْلُهُ: أَسْتَغْفِرُكَ الْغَفْرُ السَّتْرُ فَلَا يَسْتَدْعِي سَبْقَ ذَنْبٍ فَصَحَّ وُقُوعُهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، أَوْ هُوَ مِنْهُمْ لِلتَّعْلِيمِ اهـ.

وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ أَقْسَامٌ ثَلَاثَةٌ اسْتِغْفَارُ الْمُذْنِبِينَ وَهُوَ طَلَبُ غَفْرِ الذَّنْبِ أَيْ سَتْرِهِ، أَوْ مَحْوِهِ، وَاسْتِغْفَارُ الْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَهُوَ مِنْ تَقْصِيرِهِمْ فِي أَدَاءِ الشُّكْرِ، وَاسْتِغْفَارُ الْأَنْبِيَاءِ الْمُرْسَلِينَ وَهُوَ لِزِيَادَةِ أَدَاءِ الشُّكْرِ أَيْ لِرُؤْيَتِهِمْ قِلَّةَ وُقُوعِ الشُّكْرِ مِنْهُمْ فَيَسْتَغْفِرُونَ مِنْ ذَلِكَ،.

وَفِي الْقَسْطَلَّانِيِّ عَلَى الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْمَغْفِرَةَ قِسْمَانِ: الْأَوَّلُ أَنْ يَحُولَ اللَّهُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالذَّنْبِ أَيْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِقَابِهِ عَلَى الذَّنْبِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُسَامِحُهُ وَلَا يُعَاقِبُهُ وَالثَّانِي أَنْ يَحُولَ اللَّهُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالذَّنْبِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَحْفَظُهُ عَنْ وُقُوعِهِ مِنْهُ وَالْأَوَّلُ هُوَ اللَّائِقُ بِالْأُمَّةِ وَالثَّانِي هُوَ اللَّائِقُ بِالْأَنْبِيَاءِ. (قَوْلُهُ: فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ) اُنْظُرْ مَا فَائِدَةُ تَخْصِيصِ الثَّمَانِيَةِ مَعَ أَنَّ الْقُرْطُبِيَّ عَدَّهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَيُجَابُ بِأَنَّ الثَّمَانِيَةَ هِيَ الْأَبْوَابُ الْكِبَارُ كَأَبْوَابِ السُّوَرِ وَدَاخِلَهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، ثُمَّ تَزِيدُ اهـ بِرْمَاوِيٌّ.

(قَوْلُهُ: الثَّمَانِيَةُ) وَهِيَ بَابُ الصَّلَاةِ وَبَابُ الصَّدَقَةِ وَبَابُ الصَّوْمِ وَيُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ وَبَابُ الْجِهَادِ وَبَابُ التَّوْبَةِ وَبَابُ الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَبَابُ الرَّاضِينَ وَالثَّامِنُ هُوَ الْبَابُ الْأَيْمَنُ الَّذِي يَدْخُلُ مِنْهُ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ اهـ شَوْبَرِيٌّ. (قَوْلُهُ: مِنْ أَيُّهَا شَاءَ) لَا يُشْكِلُ بِأَنَّ الْأَبْوَابَ مُوَزَّعَةٌ عَلَى الْأَعْمَالِ فَكُلُّ بَابٍ لِأَهْلِ عَمَلٍ مَخْصُوصٍ؛ لِأَنَّ فَتْحَهَا إكْرَامٌ لَهُ لَكِنْ يُلْهِمُهُ اللَّهُ تَعَالَى الدُّخُولَ مِنْ الَّذِي هُوَ أَهْلُهُ اهـ بِرْمَاوِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَرَوَى الْحَاكِمُ الْبَاقِيَ) مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الَّذِي فِي الْبَاقِي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ وَاَلَّذِي رَوَاهُ الْحَاكِمُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ بِدُونِ " أَشْهَدُ " فَرِوَايَةُ الْحَاكِمِ لَمْ تُثْبِتْ جَمِيعَ الْمُدَّعَى وَلَعَلَّ لَفْظَ " أَشْهَدُ " ثَبَتَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى غَيْرِ رِوَايَةِ الْحَاكِمِ وَكَانَ عَلَى الشَّارِحِ أَنْ يَأْتِيَ بِرِوَايَةٍ فِيهَا جَمِيعُ الْمُدَّعَى وَلَعَلَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا وَهُوَ تَابِعٌ فِي هَذَا الصَّنِيعِ لِشَيْخِهِ الْمَحَلِّيِّ وَقَدْ تَبِعَهُ فِيهِ تِلْمِيذُهُ حَجّ وم ر ثُمَّ رَأَيْت ق ل عَلَى الْمَحَلِّيِّ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: كُتِبَ بِرَقٍّ) وَيَتَعَدَّدُ ذَلِكَ بِتَعَدُّدِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الْفَضْلَ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ اهـ ع ش وَفِي الْمِصْبَاحِ الرَّقُّ بِالْفَتْحِ الْجِلْدُ يُكْتَبُ فِيهِ، وَالْكَسْرُ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ وَقَرَأَ بِهِ بَعْضُهُمْ فِي قَوْله تَعَالَى {فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ} [الطور: ٣] اهـ.

(قَوْلُهُ: أَيْ لَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ إبْطَالٌ) أَيْ يُصَانُ بِهِ صَاحِبُهُ مِنْ تَعَاطِي مُبْطِلٍ بِأَنْ يَرْتَدَّ، وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَإِلَّا فَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ جَمِيعَ الْأَعْمَالِ يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا الْإِبْطَالُ بِالرِّدَّةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا بِخُصُوصِهِ لَا يَبْطُلُ بِهَا لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ يُخَالِفُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُبَالَغَةٌ فِي حِفْظِهِ وَتَأْكِيدٌ فِي طَلَبِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الشَّهَادَتَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ فَتَأَمَّلْ اهـ لِكَاتِبِهِ اهـ شَوْبَرِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَوَاوُ وَبِحَمْدِكَ زَائِدَةٌ) وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الطَّبَلَاوِيُّ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: أَيْ وَبِحَمْدِكَ أَبْتَدِي، أَوْ أَخْتِمُ، أَوْ وَبِحَمْدِكَ سَبَّحْتُكَ وَقَدْ تُحْذَفُ الْوَاوُ وَتَكُونُ الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أَوْ الْمُلَابَسَةِ أَيْ التَّسْبِيحُ مُسَبَّبٌ عَنْ الْحَمْدِ أَوْ مُلَابِسٌ لَهُ، أَوْ مُصَاحِبٌ وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ كُلَّ زَائِدٍ عَلَى التَّوْكِيدِ وَتَحَاشَى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ الْوَاوِ

<<  <  ج: ص:  >  >>