للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فقبيح بالعاقل إهمال نفسه. وقد نبه الشرع على الكل بالبعض، فأمر بقص الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، ونهى عن أكل الثوم والبصل النيء، لأجل الرائحة.

وينبغي له أن يقيس على ذلك ويطلب غاية النظافة ونهاية الزينة.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف مجيئة بريح الطيب١، فكان الغاية في النظافة والنزاهة. ولست آمر بزيادة التنظف٢، الذي يستعمله الموسوس، ولكن التوسط هو المحمود.

٥١١- ثم ينبغي له أن يرفق ببدنه، الذي هو راحلته، ولا ينقص من قوتها، فتنقض قوتها، ولست آمر بالشبع الذي يوجب الجشاء٣؛ إنما آخر بالتوسط، فإن قوى الآدمي كعين جارية، كم فيها من منفعة لصاحبها ولغيره ويعين صانعًا٤، ولا يلتفت إلى قول الموسوسين من المتزهدين، الذين جدوا في التقلل، فضعفوا عن الفرائض، وليس ذلك من الشرع، ولا نقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه؛ وإنما كان الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا لم يجدوا، جاعوا، وربما آثروا فصبروا ضرورة.

٥١٢- وكذلك ينبغي أن ينظر لهذه الراحلة في علفها، فرب لقمة منعت لقمات، فلا يعطيها ما يؤذيها، بل ينظر لها في الأصلح، ولا يلتفت ٥ إلى متزهد يقول: لا أبلغها الشهوات، فإن النظر ينبغي أن يكون في حل المطعم، وأخذ ما يصلح بمقدار.

٥١٣- ولم ينقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه رضي الله عنهم ما أحدثه الموسوسون في ترك المشتهيات على الإطلاق، إنما نقل عنهم تركها لسبب: إما للنظر في حلها، أو للخوف من مطالبة النفس بها في كل وقت، ويجوز ذلك.

٥١٤- وينبغي له أن يجتهد في التجارة والكسب، ليفضل على غيره، ولا يفضل غيره عليه، وليبلغ من ذلك غاية لا تمنعه عن العلم.

٥١٥- ثم ينبغي له أن يطلب الغاية في العلم، ومن أقبح النقص التقليد؛ فإن


١ رواه ابن سعد "١/ ١٩٣" عن أنس.
٢ في الأصل: التقشف.
٣ الجشاء: صوت مع ريج يخرج من الفم عند امتلاء المعدة.
٤ كذا في الأصل.
٥ في الأصل: يتلفت، وهو تصحيف.

<<  <   >  >>