للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فَأَجَبْتُهَا: إني لما عجزت عما حملت، قلت هذه الكلمة، لا على سبيل الشكوى، ولكن للاسترواح، وقد قال كثير من الصحابة والتابعين قبلي: ليتنا لم نخلق! وما ذاك إلا لأثقال عجزوا عنها، ثم من ظن أن التكاليف سهلة فما عرفها.

أترى يظن الظان أن التكاليف غسل الأعضاء برطل من الماء، أو الوقوف في محراب لأداء ركعتين؟! هيهات! هذا أسهل التكليف!

وإن التكليف هو الذي عجزت عنه الجبال، ومن جملته: أنني إذا رأيت القدر يجري بما لا يفهمه العقل، ألزمت العقل الإذعان للمقدر، فكان من أصعب التكليف، وخصوصًا فيما لا يعلم العقل معناه، كإيلام الأطفال، وذبح الحيوان، مع الاعتقاد بأن المقدر لذلك، والآمر به أرحم الراحمين، فهذا مما يتحير العقل فيه، فيكون تكليفه التسليم وترك الاعتراض، فكم بين تكليف البدن وتكليف العقل!

ولو شرحت هذا لطال، غير أني أعتذر عما قلته، فأقول عن نفسي -وما يلزمني حال غير-: إنني رجل حبب إلي العلم من زمن الطفولة، فتشاغلت به، ثم لم يحبب إلي فن واحد منه، بل فنونه كلها، ثم لا تقتصر همتي في فن على بعضه، بل أروم استقصاءه، والزمان لا يسع، والعمر أضيق، والشوق يقوى، والعجز يظهر، فيبقى وقوف بغض المطلوبات حسرات.

٩٠- ثم إن العلم دلني على معرفة المعبود، وحثني على خدمته، ثم صاحت بي الأدلة عليه إليه، فتوقفت بين يديه، فرأيته في نعته، وعرفته بصفاته، وعاينت بصيرتي من ألطافه ما دعاني إلى الهيمان٢ في محبته، وحركني إلى التخلي لخدمته، وصار يملكني أمر كالوجد، كلما ذكرته، فعادت خلوتي في خدمتي له أحلى عندي من كل حلاوة.

٩١- فكلما ملت إلى الانقطاع عن الشواغل إلى الخلوة، صاح بي العلم: أين تمضي؟! أتعرض عني، وأنا سبب معرفتك به؟! فأقول له: إنما كنت دليلًا، وبعد


١ في حاشية الأصل: في الأحمدية: يعقد، قلت: يظهر: يغلب.
٢ الهيمان: الشغف.

<<  <   >  >>