للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فلمَّا صرعه النبي ، عَلِمَ أنه مؤيَّد بقوة أخرى من عند الله تعالى، ولهذا قال: "واللهِ ما رمى أحدٌ جنبي إلى الأرض"، فكان لا يُغْلَب، فأراد النبي بمصارعته إظهار آيات نبوَّته، وما أيَّده الله تعالى به من القوة والقدرة (١)، وكانت المشارطة على ذلك كالمشارطة في قصة الصديق، لكن قصة الصدِّيق في الظُّهور بالعلم، وهذه في الظُّهور بالقوة والقدرة، والدين إنما يقوم بهذين الأمرين: العلم والقدرة، فكانت المراهنة عليهما نظير المراهنة على الرمي والركوب، لِمَا فيهما (٢) من العَوْن على إظهار الدِّين وتأييده، فهي مراهنةٌ على حقّ، وأكل المال بها أكلّ له بالحق (٣)، لكن النبي لَمَّا كان غرضه إعلاء الحق وإظهاره؛ ردَّ عليه المال، ولم يأخذ منه شيئًا، فأسْلَم الرجل.

وهذه المراهنة من رسول الله وصدِّيقِه هي من الجهاد الذي يُظْهِر الله تعالى به دينه، ويُعِزُّه به، فهي من معنى الثلاثة المستثناه في حديث أبي هريرة، ولكن تلك الثلاثة (٤) جنْسُها يُعَدُّ للجهاد، بخلاف جنس الصراع؛ فإنه لم يُعَدَّ للجهاد، وإنمَا يصير مشابهًا للجهاد إذا تضمَّن نصرة الحق وإعلائه؛ كصراع النبي ركانة.

وهذا كما أن الثلاثة المستثناة إذا أُريد بها الفخر، والعلو في الأرض، وظلم الناس = كانت مذمومة، فالصِّراع والسِّباق بالأقدام


(١) في (ح، مط) (كما أيَّده الله به من القوة والفضل).
(٢) في (مط) (إنما فيها).
(٣) في (مط)، (ح) (بحق).
(٤) من (ظ)، وسقط من (ح) (جنسها يُعدُّ).

<<  <  ج: ص:  >  >>