للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عند ذلك زجرة واحدة: فإذا الخلق طعام الفناء وإذا الأرض "مائدة".

توهموا السحر ما توهموه، فلما أنزل الله كتابه قالوا: هذا هو السحر المبين، وكانوا يأخذون في ذلك بباطل الظن فأخذوا هذا بحق اليقين {أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ} ومن الشعر ما تسمعونه أم أنتم لا تسمعون؟ بل إنه لسحر يغلب حتى يفرق بين المرء وعادته، وينفذ حتى ينصرف بين القلب وإرادته, ويجري في الخواطر كما تصعد في الشجر قطرات الماء، ويتصل بالروح فإنما يمد لها بسبب إلى السماء، وإنه لسحر، إذ هو ألحاظ لم تعهد كلم أحداقها، وثمرات لم تنبت في قلم أوراقها، ونور عليه رونق الماء فكأنما اشتعلت به الغيوم، وماء يتلألأ كالنور فكأنما عصر من النجوم١، وبلى إنه لشعر ولكن زنة مبانيه في معانيه، وزينة معانيه في مبانيه، فكل معنى ولا جرم من بحر، وكل لفظ كلؤلؤة في النحر، وإنه لشعر، إذ هو آيات لا يجانس كلامها البديع غير كمالها، وحقيقة في الوجود لم يكن يعرف غير خيالها، ومرآة في يد الله تقابل كل روح بمثالها.

يقولون مجنون بعض آلهتنا اعتراه٢، وأساطير الأولين اكتتبها أم يقولون افتراه، بلى إن العقل الكبير في كماله ليتمثل في العقول الصغيرة كأنه جنون، وإن النجم المنير فوق هلاله ليظهر في العيون القصيرة كأنه نقطة فوق نون، وهل رأوا إلا كلامًا تضيء ألفاظه كالمصابيح، فعصفوا عليه بأفواههم كما تعصف الريح يريدون أن يطفئوا نور الله وأين سراج النجم من نفخة ترتفع إليه كأنما تذهب تطفيه، ونور القمر من كف يحسب صاحبها أنها في حجمه فيرفعها كأنما يخفيه! وهيهات هيهات دون ذلك درج الشمس وهي أم الحياة في كفن، وإنزالها بالأيدي وهي روح النار في قبر من كهوف الزمن.

لا جرم أن القرآن سر السماء فهو نور الله في أفق الدنيا حتى تزول, ومعنى الخلود في دولة الأرض إلى أن تدول، وكذلك تمادى العرب في طغيانهم يعمهون، وظلت آياته تلقف ما يأفكون، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون.

فصل:

وبعد، فإنا سنقول في القرآن الكريم مما يتعلق بلغته ويتصل ببلاغته ويكشف عن أوجه الإعجاز في ذلك، لا ننفذ في غير سبب لما نحن بسبيله، ولا نذهب في الكلام عن نتيجة من نتائج, ولا يكون من شأننا أن نتزيد بما ينزل من غرضنا منزلة القافية، أو نتكثر مما وراءه بمثبتة أو نافية، فإن هذا القرآن ما يزال يهدي للتي هي أقوم، وإن النول فيه ما برح كثير المذاهب متعدد الجهات متصل الحدود يفضي بعضها إلى بعض، إذ هو كتاب السماء إلى الأرض مستقرا ومستودعًا، وقد جاء بالإعجاز


١ المراد بهذا الفصل ما يناسب التخييل السحري كما أن الفصل الذي يليه يرمي إلى ما يتعلق بمثل ذلك من الشعر.
٢ أي: اعتراه بسوء، وهو اكتفاء. "المؤلف".

<<  <  ج: ص:  >  >>