للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[(١ - ٥) تأثير الكتاب والمترجمين والمجامع العلمية]

للكتاب والأدباء والمترجمين أثرٌ كبير في نهضة اللغة وتهذيبها واتساع نطاقها وزيادة ثروتها. والأمثلة على ذلك كثيرة في تاريخ الأمم، فأكبر الفضل في نهضة العربية في العصر العباسي يعود إلى العلماء والأدباء والمترجمين عن اليونانية والفارسية؛ لقد اقتبسوا مفردات أجنبية وطوَّعوها لمقتضيات العربية؛ فاتسع متن اللغة وازدادت مرونةً وقدرة على التعبير عن العلوم والآداب، كذلك الأمر في عصر النهضة الحديثة في مصر والشام؛ إذ أفاد الكتاب والأدباء والعلماء من أساليب اللغات الأوروبية وتأثروا بها، وترجموا وعرَّبوا الكثير من مصطلحات الأدب والعلم، ونقلوا الكثير من مذاهب الفن والأدب والفكر، وكان للأدباء والشعراء والعلماء فضلٌ كبير في إحياء الكثير من المفردات القديمة والمهجورة، فكثيرًا ما يلجأ المبدعون إلى بعث الألفاظ المنسية للتعبير عن معانٍ لا يجدون لها مفردات راهنة تعبر عنها تعبيرًا دقيقًا، أو يلجئون لذلك ترفعًا عن المفردات المبتذلة التي لاكتها الألسنة. وبكثرة الاستعمال تُبعث هذه المفردات خلقًا جديدًا ويزول ما فيها من غرابة وتندمج في المتداول المألوف. من ذلك أن البارودي وشوقي بعثا مئات الألفاظ من مرقدها فصارت مألوفةً واتسع بها متن اللغة وزادت قدرتها على التعبير، وكذلك فعل غيرهما من الشعراء والناثرين فردُّوا إلى العربية شطرًا كبيرًا من ثروتها المفقودة، وكشفوا عن عدة نواحٍ من كنوزها المدفونة في أجداث المعجمات. (١) إن حاجة المبدع، كاتبًا أو شاعرًا، إلى توضيح الدلالة أو تقوية أثرها في الذهن تحمله على ابتكار تعبيراتٍ جديدة سرعان ما تجد طريقها إلى متن اللغة، كذلك تقوم المجامع اللغوية والهيئات العلمية بالابتداع اللغوي حين تحتاج إلى استخدام لفظ ما للتعبير عن فكرةٍ أو مفهوم معين، وبهذا تعطي الكلمة معنًى جديدًا يبدأ أول الأمر اصطلاحيًّا، ثم قد يخرج إلى دائرة المجتمع فيغزو اللغة المشتركة كذلك، ومثال ذلك كلمة Root (جذر) التي يختلف معناها بحسب مهنة المتكلم أهو مزارع أم عالم رياضيات أم لغوي. (٢)


(١) اللغة والمجتمع، ص ٣٤.
(٢) علي عبد الواحد وافي: فقه اللغة، ١١٩ - ١٢١.

<<  <   >  >>