للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الناطقين باللغة. (١) هذا تأويل قول يسبرسن عن بعض اللغويين: «إن تاريخ اللغة ليس سوى تاريخ الأخطاء اللغوية فيها.» (٢)

شرعية اللغة الشيوع.

ومن ثم فإن عبارة «خطأ مشهور» شأنها شأن «مربع مستدير» … تناقض ذاتي! فإذا ما وجدتَ الخطأ المشهور أكثر جمالًا ووضوحًا وإبانة، فاعلم أن شهرته مشروعة مستحقة: الجمال، والوضوح، والإبانة. وماذا يكون «الصواب» أكثر من ذلك؟! «خطأ مشهور» هي ذاتها خطأ مشهور!

حين تشيع مجاوزةٌ لغوية وتنشر رايتها على الألسنة، يتحول عنصرها وتتبدل صفتها وتأخذ رتبة «قاعدة»؛ قاعدة لها علينا كل ما للقاعدة من حقوق، وما كان لهذه «المخالفة» أن تبسط سلطانها لو لم تكن تقدم فكرًا، وتحقق وصلًا، وتسد فراغًا، وتثبت نجاعة. لقد تمت لها «المواضعة» Convention فصارت من ثم «لغة»، ومن السفه أن نتنازل عنها بدعوى قل ولا تقل! وهل اللغة إلا «مواضعة» جدت، على رِسلِها، لتحقيق التواصل بعد أن كانت وسيلة التواصل فأفأة و «قاعدته» صراخًا و «نحوه» لهاثًا ونخيرًا. هل اللغة إلا ذاك «الخروج» على الصراخ والمروق من الحبسة؟ وإذا كان الخطأ هو خروج عن المتبع وتململ عن المستقر؛ فاللغة بقضها وقضيضها هي بهذا المعنى خطأٌ مشهور، وإن امتاز عن غيره من الأخطاء بأنه خطا كبير … بحجم العالم.

[(٣) تصويب الفكر قبل الكلمات]

[(٣ - ١) أمثلة من تصحيح الصحيح]

وكأنا لم يرضَ فينا بريْبِ الـ … ـدهر حتى أعانَه مَنْ أعانا

المتنبي


(١) فطن دارسو الأدب القدامى إلى ظاهرة التطور التاريخي وأخذوها بعين الاعتبار. يقول ابن رشيق في «العمدة»: «قد تختلف المقامات والأزمنة والبلاد، فيُستحسن في وقتٍ ما لا يحسُن في آخر، ويستحسن في بلدٍ ما لا يستحسن عند أهل غيره، ونجد الشعراء الحذَّاق تقابل كل زمانٍ بما استجد فيه وكثر استعماله عند أهله.»
(٢) اللغة بين المعيارية والوصفية، ١٦٧ - ١٦٨.

<<  <   >  >>