للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وتتكفل بتنظيم وسائلها، وتشخيص مقوماتها، وتكون مسئولةً أمام الوعي الجماعي عن استرخاء الملكات الفنية وميوعة الضمير.» (١)

[(٣) انسداد طرق التطور]

لا نحن نحيي الفصحى بالاستعمال والتعريب، ولا نحن نترك العامية تنمو وتكتمل وتُنحِّيها.

إن حالنا في الثنائية اللغوية أشبه بحال أصحاب اللغات الرومانية Romance languages (الفرنسية والإيطالية والإسبانية والبرتغالية ولغة رومانيا) في نهاية العصور الوسطى وفي عصر النهضة وبداية العصر الحديث، فقد كان هؤلاء ثنائيين: لغة كتابتهم لاتينيةٌ ولغة حياتهم عامياتٌ تنمو على ظهر اللاتينية، وكانت عاميتهم مختلفة عن اللاتينية اختلافًا جوهريًّا في أصواتها ومفرداتها ودلالاتها وقواعدها، «حتى إن الفرنسي مثلًا الذي لم يكن قد تعلم اللاتينية ما كان يستطيع أن يفهم شيئًا يعتدُّ به من اللغة التي كان يكتب بها الناس في بلده وهي اللاتينية. وقد ظلت اللاتينية القديمة لغة كتابةٍ حتى نضجت لهجات محادثاتهم وكمل نموها؛ فاستطاعت أن تنحِّي اللاتينية عن وظيفتها وتحتل مكانها، فأصبحت الفرنسية والإيطالية والإسبانية والبرتغالية ولغة رومانيا، التي كانت لهجاتٍ عاميةً تستخدم في المحادثة العادية فحسب، أصبحت لغات كتابة وآداب، وقد تم ذلك حوالي القرن السابع عشر الميلادي.» (٢) ثم بدأت لغة الكتابة هذه تتباعد رويدًا رويدًا عن لهجات الحديث، ولكنا نرى أنها لا تختلف حتى الآن اختلافًا نوعيًّا عن اللهجات، ولا نحسبها تختلف في المستقبل المنظور نظرًا لارتفاع نسبة التعليم ومستواه في هذه البلاد، وبالنظر إلى ثورة الاتصالات التي تحول دون انعزال اللهجات وتحوُّلها.

غير أن د. وافي سار بتقديراته في طريقٍ آخر، ولا ننسى أنه كتب هذا الكتاب عام ١٩٤٥، فهو يرى أن الهوة بين عاميتهم وفصحاهم ستزداد اتساعًا «حتى تصل هذه الأمم إلى حالةٍ شبيهةٍ بالحالة التي كانت عليها وقت أن كانت لغة الكتابة فيها هي


(١) محمد العلائي: «كلمة الأمناء»، في تقديم كتاب «فن القول» للأستاذ أمين الخولي، مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة، ١٩٩٦، ص ٣١.
(٢) د. علي عبد الواحد وافي: فقه اللغة، ص ١٦٠ - ١٦١.

<<  <   >  >>