للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وتعلمها العجم والأطفال، وهذا هو معنى ما تقوله العامة من أن اللغة للعرب بالطبع، أي بالملكة الأولى التي أُخذت عنهم ولم يأخذوها عن غيرهم.» (١)

السليقة إذن ليست «شيئًا» Res أو «كيانًا» Entity سحريًّا يرتبط بالبداوة أو بالجنس العربي ويمتنع على غير العربي مهما أخلص السعي وواصل التعلم، ولكن قدماء اللغويين العرب كان لهم رأيٌ آخر: فقد سيطرت عليهم فكرة أن الكلام بالعربية لا يستقيم لغير العربي، وكأن في الأمر شيئًا سحريًّا هو سر السليقة العربية؛ شيئًا يجري في دماء العرب ويختلط برمالهم ودِمَنهم، يورثه الآباء أبناءهم وترضعه الأمهات أطفالهن في لبانهن، إنه «تشييء» Reification أو «أَقْنَمة» Hypostatization السليقة إن جاز التعبير، وهو الذي جعل نحاة الكوفة يأخذون اللغة عن أي عربي يصادفونه، ويأخذون حتى عن الأطفال والمجانين (والنساء) كما ذكر السيوطي في «المزهر»، وهم بذلك قد خلطوا بين مستويات الأداء المختلفة حيث كان ينبغي الفصل بينها.

«على أن النحاة قصروا هذه السليقة على قومٍ معينين وعلى زمنٍ معين وبيئة معينة، فنشأ في مخيلاتهم ما يمكن أن يعبر عنه ب «ديكتاتورية الزمان والمكان» مغالين في الحرص على العربية والاعتزاز بها.» (٢)

[(٤) ديكتاتورية الزمان]

جمع قدماء النحاة المادة اللغوية التي تنتمي إلى فترة تمتد من منتصف القرن الثاني قبل الهجرة وتنتهي في منتصف القرن الثاني الهجري أو نهايته، والحق أنه من الصعب، استنادًا إلى عدد من الشواهد، أن نقبل رأي من ذهب إلى أن حركة العمل اللغوي الميداني قد توقفت في القرن الثاني الهجري، وبدأت ملاحظة التغير الذي يعتري الاستخدام اللغوي بعد القرن الثاني، إذ نرى مثلًا أن الأزهري (ت. ٣٧٠ هـ) في القرن الرابع قد اعتمد في معظم المادة التي وردت في معجمه «تهذيب اللغة» على النقل المباشر، إذ إنه جمعها من البدو الذين عاش بينهم فترة من الزمن، ونميل إلى ما ورد لدى المصادر العربية من أن الاستشهاد باللغة


(١) ابن خلدون: المقدمة، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى ٢٠٠٠، ص ٤٤٨ - ٤٤٩.
(٢) د. إبراهيم أنيس: من أسرار اللغة، ص ٣١.

<<  <   >  >>