للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أن ننطلق من الأشياء عينها لا من الكلمات التي تشير إليها؛ فالكلمات كالزئبق لا تستقر على حال، بينما الحقيقة ثابتة لا تقبل تغييرًا ولا تبديلًا. (١)

[(٢) أرسطو]

رأينا أن أفلاطون لم يتخذ في مسألة طبيعة اللغة مذهبًا محددًا، أما العلماء الذين جاءوا بعده فاتخذوا مواقف أكثر حسمًا؛ فقد أفاد أرسطو من افتراضات أستاذه أفلاطون وطورها، وذهب إلى أن اللغة ظاهرةٌ اجتماعية وأصواتها رموز اصطلاحية ليس لها بالمعاني علاقة طبيعية أو مباشرة أو ضرورية. يقول ابن سينا في تلخيص كتاب أرسطو في العبارة: «فإنها إنما تدل بالتواطؤ، أعني أنه ليس يلزم أحدًا من الناس أن يجعل لفظًا من الألفاظ موقوفًا على معنًى من المعاني، ولا طبيعة الناس تحملهم عليه، بل قد واطأ تاليهم أولهم على ذلك وسالمه عليه … »، (٢) غير أن أرسطو يميز بين مستويين أساسيين: مستوى الكلمات والألفاظ والكتابة: وهي تقوم على العرف والاتفاق والتواطؤ والاصطلاح وتختلف باختلاف الأمم والشعوب، ومستوى الأفكار والمعاني والموجودات: وهي واحدة عند جميع الأمم والأجناس. موقف أرسطو إذن هو موقف الاصطلاح على مستوى اللفظ، والضرورة على مستوى المعنى، (٣) وللفارابي نصٌّ يلخص موقف أرسطو من جميع جوانبه، وربما الموقف الفلسفي برمَّته من أصل اللغة وعلاقة الأسماء بمسمياتها، يقول فيه: «هذا رأي أرسطوطاليس في القول وفي الألفاظ المفردة جميعًا، فإن قومًا يرون في الألفاظ المفردة الدالة أنها ليست على طريق المواطأة، فبعضهم يرى أنها بالطبع، وبعضهم يرى أنها آلة استخرجت بالإرادة على ما تُستخرج آلات الصنائع، وذلك أنهم يقولون إن كل لفظة دالة فينبغي أن تكون محاكية للمعنى المدلول عليه ومعرفة بطبعها لذات ذلك الشيء، أو لغرض يكون ملاءمة للمدلول عليه خاصة وتكون اللفظة بطبعها محاكية، مثل قولنا: هدهد، للطائر الذي يحاكي هذه اللفظةَ صوتُه الخاص به … وربما لم تكن بأسرها محاكية، ولكن بعض أجزائها مثل «طنبور» الذي يحاكي الجزءُ الأولُ من هذه


(١) د. الزواوي بغورة: «الفلسفة واللغة: نقد «المنعطف اللغوي» في الفلسفة المعاصرة»، دار الطليعة، بيروت، ٢٠٠٥، ص ١٦ - ١٧.
(٢) المرجع السابق، ص ٢١.
(٣) المرجع السابق، ص ٢٠.

<<  <   >  >>