للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

غنيٍّ، أوجبوا عليه دعوةً، إما بسبب شكر، أو بسبب استغفار. وأَطَمُّ الطامات ادعاؤهم أن هذا قربةٌ! وقد انعقد إجماع العلماء أن من ادعى الرقص قربة إلى الله تعالى، كفر، فلو أنهم قالوا: مباح، كان أقرب حالًا! وهذا؛ لأن القرب لا تعرف إلا بالشرع، وليس في الشرع أمر بالرقص، ولا ندب إليه١.

٤٩٣- ولقد بلغني عن جماعةٍ منهم أنهم كانوا يوقدون الشمع في وجوه المردان، وينظرون إليهم، فإذا سئلوا عن ذلك، سخروا بالسائل، فقالوا: نعتبر بخلق الله! أفتراهم أقوى من النبي -صلى الله عليه وسلم- حين أجلس الشاب الذي وفد عليه من وراء ظهره، وقال: "وهل كانت فتنة داود إلا من النظر"٢؟!

هيهات! لقد تملك الشيطان تلك الأزمة فقادها إلى ما أراد.

٤٩٤- والعجب ممن يذم الدنيا وهو يأكل فيشبع، ولا ينظر من أين المطعم! وما زال صالحوا السلف يفتشون عن المطعم: حتى كان إبراهيم بن أدهم يسهو هو وأصحابه، ويقولون: مع من نعمل إذا، وكان سري السقطي يعرف بطيب الغذاء، وله في الورع مقامات.

٤٩٥- فجاء قوم يتسمون بالصوفية، يدعون اتباع أولئك السادة، ويأكلون من مال فلان، وهم يعرفون أصول تلك الأموال، ويقولون: رزقنا!

فوا عَجَبًا! إذ كان الآكل لا يبالي به من أين، ولا لديه امتناع من شهوة ولا تقلل، ولا يخلو الرباط٣ من المطبخ، ولا ينقطع ليلة، وأصله من مال قد عرف من أين هو، والحمام دائر، والمغني يدق بدف فيه جلاجل٤، ورفيقه بالشَّبَّابةِ٥،


١ انظر: كتاب "الرهص والوقص لمستحلِّ الرقص" للعلامة الفقيه الشيخ إبراهيم الحلبي، صاحب كتاب "ملتقى الأبحر"، من منشورات دار البشائر بدمشق.
٢ من كلام سعيد بن جبير، رحمه الله.
٣ الرباط مكان على الحدود مع العدو، يجتمع فيه العباد والزهاد بغية الشاركة في الجهاد في سبيل الله وحماية دار الإسلام كما كان يفعل عبد الله بن المبارك وأمثاله، ثم صار يطلق على المكان الذي يجتمع فيه المتصوفة والدراويش.
٤ الجلاجل: الأجراس الصغيرة تثبت على أطراف الدف.
٥ المزمار.

<<  <   >  >>