فالنَّسِيءُ: هو اسم يُطْلَقُ عَلى الشَّهْرِ الحَرامِ الذِي أُرْجِئَتْ حُرْمَتُهُ، وجُعِلَتْ لِشَهْرٍ آخَر؛ فقد كان العرب في الجاهلية يُحَرِّمُونَ الْقِتَالَ فِي أربعة أشهر كما هو في الإسلام، ولكن إذا احتاجوا للقتال في شهر منها أخَّروا حُرمته وجعلوها في الشهر الذي يليه؛ فيحلونه عامًا ويحرمونه عامًا بحسب ما يريدون.
وسبب تأخيرهم لحرمة الشهر وعدم إلغائها: هو كما قال تعالى: ﴿لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أي: ليوافقوا في تحريمهم ما حرم الله، وهو أربعة أشهر تامَّة ادَّعاء وكذبًا.
فائدة (١) عن سبب تحريم الأشهر:
قيل: إن ذلك كان منذ أن نادى إبراهيم ﵇ بالحج، فسارت عليه العرب منذ ذلك الوقت.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: «كانت الأشهر المحرّمة أربعةً: ثلاثةٌ سردٌ، وواحدٌ فردٌ؛ لأجل أداء المناسك - الحجّ والعمرة - فحرّم قبل أشهر الحجّ شهرٌ وهو ذو القعدة؛ لأنّهم يقعدون فيه عن القتال، وحرّم شهر ذي الحجّة؛ لأنّهم يوقعون فيه الحجّ ويشتغلون بأداء المناسك.
وحرّم بعده شهرٌ آخر وهو المحرّم؛ ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحرّم رجبٌ في وسط الحول؛ لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثمّ يعود إلى وطنه فيه آمنًا». انظر: تفسير ابن كثير للآية.
* ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦].
(نُنْسِهَا) فيها قراءتان صحيحتان:
(نُنْسِهَا) و (نَنْسَأْهَا) أمّا نُنْسِهَا: فهي من النسيان؛ وهو ذهول القلب عن المعلوم.
والمعنى: محوها من قلب رسول الله ﷺ.
وأما نَنْسَأْهَا: فهو من النَسَأ، وهو التأخير، والمقصود: تأخير إنزالها ثم يأتي بخير منها، أو تأخير الحكم بها، وكلاهما يشمله المعنى.
فائدة (٢):
من معاني التأخير ما هو معروف بربا النّسيئة: وهو تأخير قبض الثمن مع الزيادة فيه بسبب التأجيل؛ تقول العرب: (بعتُ الرجل بنسيئة) أي: بتأخير في قبض الثمن مع الزيادة فيه.
ومنها الحديث الشريف: «مَنْ سَرَّهُ أنْ يُبْسَطَ له في رِزْقِهِ، أوْ يُنْسَأَ له في أثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» صحيح البخاري (٢٠٦٧)، ومسلم (٢٥٥٧) وفي رواية: «في أجله» مسند الإمام أحمد (١٢٥٨٨) وكلاهما بنفس المعنى.