قيل: هؤلاء هم الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿وَقَالَت طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢].
[(المائدة: ٦٧)]
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧].
(يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) قد يتساءل البعض عن العصمة لرسول الله ﷺ وقد سُحر، وكُسرت رباعيته، وشُجَّ رأسه، وأوذي في قريش والطائف؟!
فالعصمة هنا نوعان:
١ - العصمة والسلامة من القتل والأسر ليتم التبليغ.
٢ - عصمة القلب والعقل والإيمان والوحي أن يناله أحد بسوء.
أما الخوف والتعرُّض للأذى فلا ينافي العصمة. انظر: تفسيرابن القيم للآية.
وعن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النبي ﷺ يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فَأَخْرَجَ رسول الله ﷺ رأسه مِنَ القُبَّةِ فقال لهم: «انصرفوا؛ فقد عصمني الله» سنن الترمذي (٣٠٤٦)، وقال الألباني: (حسن).
[(المائدة: ٩٤)]
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤].
(لِيَعلَمَ اللَّهُ) قد يتوهم من ظاهر اللفظ أن الله لا يعلم ما سيكون من عباده إلا بعد وقوع الأمر، وهذا الأمر لا يصح؛ فالله تعالى هو العليم، وعلمه أزليّ سابق، والعلم الذي ينسب لله تعالى في القرآن:
١ - علم ذاتي أزلي سابق قبل الخلق.
٢ - علم فعلي بعد الخلق، متعلق بوجود الشيء وظهوره بعد خلقه؛ لإقامة الحجة وللثواب والعقاب.
فالله تعالى لا يحاسب العبد بعلمه السابق فيه، وإلا لكان حسابه على سيئات ربما مات قبل أن يفعلها، ولكن الله تعالى يحاسب العبد على علمه به بعد حصول الأمر، وهو الذي يترتب عليه الجزاء، وعليه يقيم على العبد الحجة.
فقوله: (ليعلم الله) أي: ليكون عملكم موجودًا في علم الله، فيحاسبكم على خيره وشره.