للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ومن تدبر قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)} [العلق:١٤]، استحيا من ربه حق الحياء، يقول الإمام ابن القيم:" أن العبد متى علم أن الرب تعالى ناظر إليه أورثه هذا العلم حياءً منه، يجذبه إلى احتمال أعباء الطاعة" (١)، ومتى قل نظره إلى ربه، أورثه هذا اجتراء على المعصية، وانغماس في الذنب.

ولذا كان الأئمة يتمثلون هذه الأبيات (٢):

إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل عليّ رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ما مضى ولا أن ما تخفي عليه يغيب

لهونا لعمر الله حتى تتابعت ذنوب على آثارهن ذنوب

فيا ليت أن الله يغفر ما مضى ويأذن في توباتنا فنتوب

وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ينهى في خلافته عن مذق اللبن بالماء، فخرج ذات ليلة في حواشي المدينة، فإذا بامرأة تقول لابنة لها: ألا تمذقين لبنك فقد أصبحت؟ فقالت الجارية: كيف أمذق وقد نهى أمير المؤمنين عن المذق، فقالت: قد مذق الناس فامذقي فما يدري أمير المؤمنين، فقالت: إن كان لا يعلم فإله عمر يعلم، ما كنت لأفعله وقد نهى عنه، فوقعت مقالتها من عمر، فلما أصبح دعا ابنه عاصماً فقال: يا بني اذهب موضع كذا وكذا، فاسأل عن الجارية ووصفها له، فذهب عاصم فإذا هي جارية من بني هلال، فقال له عمر: اذهب يا بني فتزوجها، فما أحراها أن تأتي بفارس يسود العرب، فتزوجها عاصم بن عمر، فولدت له أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، فتزجها عبد العزيز بن مروان بن الحكم، فأتت بعمر بن عبد العزيز (٣).

وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان يطوف ليلة في المدينة فسمع امرأ تقول:

ألا طال هذا الليل وازور جانبه ... وليس إلى جنبي خليل ألاعبه

فو الله لولا الله تخشى عواقبه ... لزعزع من هذا السرير جوانبه


(١) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (٢/ ٢٥٣)
(٢) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، دار الغرب الإسلامي - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ، (٦/ ٤٤٨)
(٣) عبد الله بن عبد الحكم: سيرة عمر بن عبد العزيز على ما رواه مالك وأصحابه، عالم الكتب ص (٢٤)

<<  <   >  >>