للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فهذه الآية الكريمة، تعكس صورة المجتمع الذي يعيش بين الاهتداء والأمن، شريطة وجود الإيمان وانتفاء الظلم بجميع أنواعه، فهم آمنون من المخاوف والعذاب والشقاء، مهتدون إلى صراط الله المستقيم، وهذا الأمن والاهتداء حاصل بقدر إيمانهم،" فإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم مطلقاً لا بشرك ولا بمعاص، حصل لهم الأمن التام، والهداية التامة، وإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده، ولكنهم يعملون السيئات، حصل لهم أصل الهداية، وأصل الأمن، وإن لم يحصل كمالها" (١).

[٥ - مصدر من مصادر القوة للأفراد لمواجهة الباطل]

إن الباطل بجميع صوره وأنواعه، يقف حاجزاً أمام العاجزين، الذين لم تمتد أبصارهم إلى ما وراء الماديات، فلم يعرفوا إلا الحياة الدنيا، فاشتغلوا بها وجعلوها غاية ومقصداً، ولذا فهم عاجزون عن دفع أي شبهة وشهوة بخلاف من امتدت نفوسهم إلى ما وراء الماديات، وتعلقت قلوبهم بفاطر الأرض والسماوات، تجدهم أثبت الناس عند الفتن، وأشدهم في مواجهة الباطل.

فالقرآن الكريم يحكي عن سحرة فرعون، الذين أُغدق عليهم من نعيم الدنيا الموهوم، لم يشعروا بلذة السعادة والطمأنينة، إلا حين آمنوا بالله تعالى، فقالوا لفرعون بعد أن توعدهم: {فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} طه ٧٢، أي:" أمرك وسلطانك في هذه الحياة الدنيا، وسيزول عن قريب" (٢)، فإن قضاءك وحكمك إنما يكون في الدنيا، وهي كيف كانت فانية، وإنما مطلبنا سعادة الآخرة وهي باقية، والعقل يقتضي تحمّل الضرر الفاني، المتوصل به إلى السعادة الباقية، وإن الذي يذكره فرعون محض الدنيا، وإن منافع الدنيا ومضارها، لا تعارض منافع الآخرة ومضارها (٣).


(١) السعدي: تيسير الكريم الرحمن، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ص (٢٦٣).
(٢) السمعاني: تفسير القرآن، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤١٨ هـ (٣/ ٣٤٢).
(٣) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢٢/ ٧٧ بتصرف).

<<  <   >  >>